Al Sabîl

2025 | 20

الذاكرة والجسد في تشكيل التجربة المكانية في المنزل القيرواني العتيق

أنيسة غويلة عطاء الله

الملخص

يستكشف هذا المقال، العلاقة العميقة بين الجسد والذاكرة في تشكيل التجربة المكانيّة داخل البيت القيرواني التقليدي، انطلاقًا من حسّية ترتكز على التّفاعل بين الإنسان وفضائه المعيش. فالبيت لا يُختزل في أبعاده الهندسيّة أو الجماليّة، بل يُفهم بوصفه تجربة يوميّة تتفاعل فيها الحواس، وتتجسّد عبر طقوس الحياة وحركة الجسد في المكان.

يعتمد المقال على قراءة تحليليّة ذات طابع نوعي، ترتكز على المعاينة الميدانيّة لمكونات البيت القيرواني، ودراسة تأثير الحواس والطقوس اليوميّة في بناء تجربة مكانية متجذّرة في الذاكرة. كما يستند إلى مراجع فلسفيّة ومعماريّة معاصرة تناولت مفهوم الإدراك الحسي في العمارة.

ويخلص المقال إلى أنّ البيت القيرواني يُشكّل نموذجًا معماريًّا غنيًّا يُعيد الاعتبار للجسد والذاكرة كوسيطين أساسيّن في فهم المكان، ويطرح إشكاليّات معماريّة وحسيّة متداخلة، يمكن أن تساهم في تجديد التفكير في العمارة السكنيّة المعاصرة.

الكلمات المفاتيح:

الجسد، الذاكرة، العمارة الحسيّة، البيت القيرواني، الهويّة المعماريّة.

Résumé

Cet article explore la relation profonde entre le corps et la mémoire dans la formation de l'expérience spatiale au sein de la maison traditionnelle de Kairouan, en s'appuyant sur une approche sensorielle qui met l'accent sur l'interaction entre les êtres humains et leur espace de vie. La maison ne se limite pas à ses dimensions géométriques ou esthétiques, mais est comprise comme une expérience quotidienne dans laquelle les sens interagissent et se manifestent à travers les rituels de la vie et les mouvements du corps dans l'espace.

L'article s'appuie sur une lecture analytique qualitative, basée sur des observations de terrain des composants de la maison à Kairouan et sur une étude de l'influence des sens et des rituels quotidiens dans la construction d'une expérience spatiale ancrée dans la mémoire. Il s'appuie également sur des références philosophiques et architecturales contemporaines traitant du concept de perception sensorielle en architecture.

L'article conclut que la maison à Kairouan est un modèle architectural riche qui rétablit le corps et la mémoire comme médiateurs essentiels dans la compréhension du lieu, et soulève des questions architecturales et sensorielles interdépendantes qui peuvent contribuer à renouveler la réflexion sur l'architecture résidentielle contemporaine.

Mots-clés :​

Corps, mémoire, architecture sensorielle, maison traditionnelle, identité architecturale.

Abstract

This article explores the profound relationship between the body and memory in shaping the spatial experience within the traditional Qayrawani house, based on a sensory approach centered on the interaction between humans and their living space. The house is not reduced to its geometric or aesthetic dimensions but is understood as a daily experience in which the senses interact and are embodied through the rituals of life and the movement of the body in space.

The article is based on a qualitative analytical reading, grounded in field observations of the components of the Kairouan house and a study of the influence of the senses and daily rituals in constructing a spatial experience rooted in memory. It also draws on contemporary philosophical and architectural references that address the concept of sensory perception in architecture.

The article concludes that the Qayrawani house is a rich architectural model that restores the body and memory as essential mediators in understanding place and raises overlapping architectural and sensory issues that can contribute to a renewal of thinking about contemporary residential architecture.

Keywords:

Body, memory, sensory architecture, the Qayrawani house, architectural identity.

المرجع لذكر المقال

أنيسة غويلة عطاء الله، « الذاكرة والجسد في تشكيل التجربة المكانية في المنزل القيرواني العتيق »، السبيل : مجلة التّاريخ والآثاروالعمارة المغاربية [نسخة الكترونية]، عدد 20، سنة 2025.

URL : http://www.al-sabil.tn/?p=8214

تحميل المقال

نص المقال

المقدمة

تُمثّل مدينة القيروان أحد أبرز النّماذج التاريخية للحاضرة الإسلاميّة التي جمعت بين العمق الروحي، والغنى المعماري، والتنوّع الاجتماعي. فهي لم تكن مجرّد مركز ديني أو إداري، بل كانت وما تزال نسيجًا حضاريًا تتقاطع فيه الذاكرة والجسد، والمكان. وفي هذا السياق، يحتلّ البيت القيرواني العتيق مكانةً خاصّة في تشكيل تجربة العيش، بما يحمله من رموز ثقافيّة، وأبعاد نفسيّة، وتراكيب معماريّة فريدة.

ولقد تميّزت العمارة التقليديّة في القيروان بخصوصيّات وظيفيّة وجماليّة، تعبّر عن فهم دقيق للبيئة الطبيعية والاجتماعيّة. فمن خلال اعتمادها على الفناء الداخلي، وتوجيه الغرف، وتوزيع الفضاءات، نجد أنّ المعمار التقليدي القيرواني كان يستبطن فكرًا عميقًا فيما يخصّ العلاقة بين الإنسان والمكان، بل وحتى بين الخاص والعام، أي بين البيت كمجال للخصوصيّة والحميميّة، والمنشآت العامّة كفضاءات للتّعبير الجماعي والانتماء. إنّ الذاكرة المعمارية للقيروان لا تتجلى فقط في المساجد أو الأسواق أو السّاحات، بل تتجسّد أيضًا في البيوت، باعتبارها خلايا حيّة في جسد المدينة. فكل بيت يحتفظ ببصمات الساكنين، بطقوسهم اليوميّة وبتحوّلاتهم العاطفية، ويعيد تشكيل الفضاء وفقًا لتجاربهم المعاشة. من هنا، تنبع أهميّة المقاربة التي تعتمد على ربط الجسد الحيّ بالفضاء المادي، في استكشاف إدراك المكان، لا فقط عبر النظر، بل عبر اللّمس، الحركة، الصّوت، والرّائحة.

وبينما تتّسم المنشآت العامّة في القيروان كالجامع الكبير أو أسواقها العتيقة بطابع جماعي يُكرّس التشارك الاجتماعي والرّوحاني، يُعيد البيت تشكيل هذا الانتماء الجماعي من الدّاخل، عبر ممارسات فرديّة ترتبط بالهويّة، والجنس، والعمر، والذاكرة الشخصيّة. وهنا، تتقاطع الدراسات المعمارية مع الدراسات الثقافيّة والمعيشيّة للإنسان في فضائه اليومي، وتصبح دراسة البيت القيرواني العتيق مدخلًا لفهم أعمق لعلاقة الإنسان بمكانه، عبر مستويات متداخلة من الخصوصيّة والانفتاح، الثّبات والتّغير، الإنتماء والتّعبير الذّاتي. ولا يزال المنزل كوحدة هندسية عنصرا معماريا يمثل مرآة المجتمع ويعبّر عن روح المكان فهو الى جانب استجابته للمعايير الهندسيّة العامّة في المدينة، فهو يعبر ضمنيّا على العلاقات الإنسانيّة التي تربطه بها بكل تفاصيلها الحضريّة والدينيّة والاجتماعية مع حفظ الخصوصيّة. وفي هذا السياق تقولDominique clevenot" " الفضاء الديني ينتج الفضاء الهندسي1. فالإنسان لا ينظر الى منزله ككتلة هندسيّة بقدر ما يراه كفضاء محسوس يعاش بالحواس ويتفاعل مع الجسد، عبر الحركة اليوميّة والطقوس المتكرّرة والمتجذرة داخله. ويؤكد Bachelardبأنّ قراءة البيت لا تكون بوصفه هندسيّا وإنّما بقراءته حسيّا "لا يتعلّق الأمر بوصف البيوت أو بتفصيل جوانبها الخلابة أو تحليل أسباب الرّاحة فيها. بل، على العكس تمامًا، ينبغي تجاوز مشكلات الوصف - سواء كان هذا الوصف موضوعيًّا يورد وقائع، أو ذاتيًا ينقل انطباعات - للوصول إلى الفضائل الأولى، تلك التي تكشف عن نوع من التّماهي الفطري مع الوظيفة الأولى للسكن"2. لذا يُعدّ البيت القيرواني العتيق أحد أبرز الشواهد المعماريّة التي تُجسّد العلاقة العميقة بين الإنسان والمكان، ليس فقط من حيث الشّكل والوظيفة، بل من حيث البعد الحسّي والدّيني والرّمزي.

ولا تُختزل العمارة التقليديّة في القيروان في أنماطها الجماليّة أو مكوّناتها الإنشائيّة، بل تُفهم بوصفها تجربة معيشة، تتجلّى فيها الذاكرة وتتحقّق عبر الجسد. إنّ هذا النوع من العمارة يُبنى ليُسكن ويُعاش، لا ليُعرض أو يُشاهد فقط، وهو ما يفتح المجال أمام مقاربة تتجاوز التحليل الهندسي إلى تفكيك العلاقة الوجوديّة التي يقيمها الإنسان مع فضائه. فرغم تعدّد المقاربات التي تناولت العمارة الإسلاميّة والتقليديّة في شمال افريقيا وفي القيروان، إلاّ أنّ التّركيز بقي موجّها أساسا على الجوانب الشكليّة، التاريخيّة أو الانشائيّة على أهميتها، دون الخوض في دور الساكن بجسده وذاكرته، كمؤسّس للتجربة المكانيّة داخل البيت القيرواني العتيق، ومدى تأثير هذه العناصر المعماريّة الشكليّة المرتبطة بدورها بالجوانب التاريخيّة على بناء ذاكرة مكانيّة تتجذّر في الوعي الفردي والجماعي للسكّان.

لذا لا يمكن اعتبار البيت القيرواني حاضنة للذاكرة المكانيّة التي تختزل الصور فحسب، بل تحتفظ بالتجارب الحسيّة المتراكمة به ويقول Louis Khan في هذا السّياق "يحمل الإنسان أحاسيس معقّدة أكثر من هذه التسلسلات الزمنيّة"3، فالجسد إذن، عبر الحواس والحركة يعيد إنتاج الفضاء من خلال تفاعلاته اليوميّة. ويمكن اعتبار البيت القيرواني أنموذجا مكتملا لتجربة مكانيّة تتأسّس على الإنسجام بين الجسد والحواس والفضاء.

لذا سيكون العمل على إبراز البعد الحسي في عمارة البيت القيرواني التّقليدي وتحليل العلاقة بين الجسد والعناصر المعماريّة في تشكيل الفضاء اليومي، ممّا سيسمح لنا بإدراك كيفيّة بناء وإدراك الذاكرة المكانيّة، من خلال التّفاعل الحسي داخل المنزل، وذلك من خلال تسليط الضوء على القيمة الاجتماعيّة للبيت كمجال معيشي يعبّر عن الهويّة والإنتماء ليمنح لساكنه معاني تتجاوز الوظيفة لتلامس البعد الثقافي للعيش. ويقول Bachelard ضمن رؤيته لشاعريّة المكان "البيت هو جسد من الصّور يمنح الإنسان أسبابًا أو أوهامًا للاستقرار. إننا نُعيد تخيّل واقعه على نحو مستمر؛ فالتّمييز بين هذه الصور هو بمثابة قول روح البيت، وهو ما يعني بناء سيكولوجيا حقيقية للبيت"4 وبهذا، يصبح البيت القيرواني ذاكرة معاشة، يتقاطع فيها الحسيّ بالرّمزي، اليومي بالمقدّس، الفردي بالجماعي، مما يجعله فضاءً ديناميكيًّا في تشكّل دائم. في هذا السياق إذن، تنبع أهمية دراسة العمارة القيروانية من منظور حسي وتفاعل وجودي، حيث لا يُنظر إلى الجسد كعنصر خارجي على الفضاء، بل كوسيط رئيسي في إدراكه وصياغته، في حين تُغدو الذاكرة أداة لتخزين التفاعل المستمر بين الإنسان والبيت، عبر الحواس والحركة والطقوس اليومية.

1. القراءة الهندسية والحسية للبيت القيرواني العتيق

يشكّل المنزل القيرواني التقليدي بنية معماريّة متكاملة، تجسّد تطابقًا بين الوظائف الاجتماعيّة والاقتصاديّة، والمفاهيم الرّمزية والرّوحانية في مدينة عتيقة ذات طابع إسلامي متوسطي. ورغم التّصنيف الإجتماعي والذي يرتبط بالتصنيف الإقتصادي ضمنيّا، فإنّ التّوزيع العمراني لا يخضع للتّفريق المكاني، حيث تتجاور كل الأنواع في نفس الأحياء، بما يعكس بنية حضرية متماسكة تقوم على مبدأ المجاورة. فتتوحّد الواجهات الخارجيّة في أشكالها الصمّاء، وتتشابه الأبواب والفتحات لتعكس تناغما بصريّا يعكس بدوره تناغما إجتماعيّا، يحترم خصوصيّة الدّاخل أوّلا، ويجمع كل الطبقات في مكان واحد ثانيا. وتُصنّف المنازل في القيروان على غرار منازل مدينة تونس إلى ثلاث أنواع وهي على التّوالي منازل الأعيان "البيوت الكبرى" حسبJacques Revault ،5 ولا ويجود تصنيف القصر في التسميات القيروانية الدّارجة، وهي منازل فخمة ذات مساحات واسعة وتستجيب إلى التّركيبة الهندسيّة المثاليّة للمنزل العربي الإسلامي ،أي الفناء والمدخل المنكسر والمجالس وفضاءات الحركة والتّخزين، ثم توجد المنازل المتوسّطة "البيوت البورجوازية" كما أسماها Jacques Revault أيضا وهي منازل تتوفّر بها أغلب العناصر التركيبيّة، ذات مساحة متوسطة وتفتقر أساسا الى عناصر الزخرف بموادها المختلفة، أمّا الأخيرة فهي منازل الحرفيين "البيوت الشعبية"، وهي المنازل ذات المساحات المحدودة، رغم تشابهها مع التّركيبة الأساسية للمنازل الأخرى، من فضاء وسط الدار والمدخل المنكسر والمجالس، إلا أنّها تفتقر إلى فضاءات التخزين والعلوى، ولا توجد بها أيّ موادّ للتّزويق أو الزّخرف. ورغم هذا التصنيف الإجتماعي والإقتصادي، فإنّ إدراك البيت القيرواني لا يتمّ عبر المخطّط المعماري أو الصّورة البصرية المختلفة فحسب، بل يتشكّل من خلال تجربة معيشة تتفاعل فيها الحواس، وتتجسّد عبر الحركة اليوميّة، وتترسّخ في الذاكرة المكانيّة. ومن هنا تنبع أهميّة إعادة قراءة البيت التقليدي القيرواني بمنهج يتجاوز الشّكل إلى الإحساس، ويتجاوز العين إلى الجسد. ويتأسّس هذا النّموذج السكني على تنظيم داخلي انطوائي، يتمحور حول فناء مركزي مكشوف يشكّل نقطة ارتكاز وظيفيّة وضوئيّة، ومصدرًا للتفاعلات الاجتماعيّة اليوميّة. ويتميّز المدخل بانكساره وتعرّجه، ممّا يكرّس الحميمية البصرية ويفرض مسارًا انتقاليًّا مقنّنًا بين المجالين العام والخاص، حيث تصبح العتبة رمزا مميّزا لحماية الفضاء الداخلي من أعين الغرباء. وتتوزّع فضاءات المنزل من حيث الوظيفة والرّمزية بين فراغات وسيطة (كالواجهات والدريبة والسقيفة)، وفراغات داخلية (كالمجالس والصحن)، وأخرى مخصّصة للحركة والتخزين (كالمطبخ والكمّي والهري والمطمورة والدهليز). ويضبط هذا التوزيع الإضاءة، ويستجيب للتحوّلات المناخية والجسديّة في آن واحد، ممّا يمنح الفضاء طابعًا متدرّجًا من الانكشاف والخصوصيّة. فتعكس عناصر كالباب والخوخة والكوّات المنفتحة على الدّاخل رمزيّة الجسد والمقدّس، حيث يتداخل المعماري مع الطقسي في بناء يحاكي وظائفه اليومية ويحتفظ بعمقه الأنطولوجي. كما تعكس الوظائف الاقتصادية ـ مثل الغزل وصناعة الزربية وتخزين المئونة ـ قدرة الدار على الاندماج في المحيط الطبيعي والاجتماعي، ممّا يرسّخ مفهوم الاكتفاء الذّاتي ضمن وحدة عمرانيّة متماسكة. في هذا السّياق، تصبح الدار القيروانية تجلّيًا حيًّا لسكن حميمي يتجاوز كونه مأوى مادّيًا ليغدو فضاءً دلاليًّا مركّبًا، يعكس هويّة ساكنيه، ويوثّق علاقاتهم، ويستنهض القيم الجماعيّة في نسيج المدينة العتيقة. وعلى ضوء هذه الرؤية، فإنّ ترتيب فضاءات البيت العتيق في القيروان يرتبط بوظيفة المكان وعلاقتها بالجسد السّاكن فيرتبط الجسد بالفكر الحركي ليصبح أداة معرفيّة ووجوديّة، فهو يسكن الفضاء عبر حركاته يلمسه ،يسمعه ،يشتمّه ويتفاعل معه بشكل غير منفصل عن وعيه الذاتي سواء الخاص أو العام .وتتخذ هذه العلاقة طابعا ملموسا في البيت القيرواني حيث بتلاحق الفضاءات الهندسيّة وترابطها، تبنى حركة مقنّنة ومنسجمة مع الإيقاع المعماري، تتناغم مع ذاكرته بكل تفاعلاتها الحسيّة وجسده بتلبية حاجاته الماديّة والحيوية ويقول Maurice Merleau-Ponty في إطار أهميّة الجسد كوسيط إدراكي للفضاء المعماري "تكون العلاقة بين الفضاءين على النّحو التالي: فعندما أريد أن أُضفي الطابع الموضوعي على الفضاء الجسدي أو أُطوّر معناه، لا أجد فيه إلا الفضاء المعقول. لكن هذا الفضاء المعقول ليس منفصلًا عن الفضاء المُوجّه، بل هو في الحقيقة مجرّد توضيح له، وإذا انفصل عن هذا الجذر فإنه يفقد كل معنى. وهكذا، فإن الفضاء المتجانس لا يستطيع التعبير عن معنى الفضاء المُوجّه إلا لأنه تلقّاه منه. وإذا أمكن فعليًا إدراج المحتوى تحت الشكل واعتباره محتوى ذلك الشكل، فذلك لأن الشكل لا يُدرك إلا عبر ذلك المحتوى"6. وانطلاقًا من هذا الأساس النظري، يعتمد البحث منهجًا تحليليًا نوعيًا يجمع بين القراءة المورفولوجية للعناصر المعمارية وتحليلها الفينومينولوجي من حيث أثرها في التجربة الحسية، إضافة إلى تفكيك أبعادها الرمزية والاجتماعية كما تتشكّل عبر الاستخدام اليومي. وقد تم تحديد عينة الدراسة في ثلاث وحدات فضائية مركزية هي: المدخل المنكسر، وصحن الدار (الفناء)، والمجلس، بوصفها مفاصل للحركة ومراكز للتفاعل الاجتماعي داخل البيت. ويهدف هذا الاختيار إلى تجاوز الوصف الشكلي نحو فهم حركية العبور والتمركز والتلاقي، بما يسمح بالكشف عن كيفية تشكّل الذاكرة المكانية عبر التفاعل المتكرر بين الجسد والبنية المعمارية. وستكون البداية مع المدخل المنكسر حيث يعتبر فضاءا وسيطا بين الداخل والخارج.

1.1. المدخل المنكسر : "الفضاء الانتقالي في البيت القيرواني العتيق"

تكتسب الأبواب في القيروان طابعا وظيفيّا إلى جانب الحماية، وهو دور التّوجيه، فيحملك باب الجلادين في اتجاه باب تونس إلى الأسواق وإلى مراكز الحرف، بينما يوجّه باب الخوخة إلى المساكن والمساجد، لذا تجاورها الحصون العسكرية مثل القصبة. وللأبواب أشكال خاصّة في المدينة، تمتاز بالبساطة وكبر الحجم ولذا نجد بها عادة أبواب صغيرة تسمى "باب بالخوخة" (الصورة عدد1)، وتستعمل للمرور اليومي، وتترك عادة مفتوحة طوال اليوم وهي فتحة لا تنبئ على أيّ شيء في الداخل فلا ترى من خلالها إلا حائطا أصمّا لا يحمل أي دلالة على الدّاخل.

وترتبط الأبواب بحركة السكّان وأنماط سكنهم ووضعيّات أجسادهم، ويتجلّى ذلك بوضوح في "الخوخة" المدمجة ضمن الباب الرئيسي. ويُفسّر بعض الباحثين وجود الخوخة بوظيفتها العمليّة، إذ تتيح المرور اليومي دون الحاجة إلى فتح الباب الكبير، الذي لا يُستخدم إلا في الحالات الاستثنائيّة أو الضروريّة. ويقول شاكر اللعيبي "لكن هذه الخوخة صنعت لتنسجم مع معايير أخلاقيّة ودينيّة متعلّقة بحرمة العائلة، وإبعاد النساء قدر الإمكان عن البروز في الطريق العام. فالخوخة تدفع الجسد الفيزيقي للتكيّف مع وضعيته: عليك أن تنحني قليلا على الأقل لكي تمرّ وعليك في أحيان كثيرة التأكّد من أنك تضع القدم اليمنى أوّلا عند الدخول"7. فالباب الى جانب وظيفته الهندسيّة وهي العبور من فضاء الى آخر، فهو يحمل ضمنيّا معاني ترتبط بالخصوصيّة، ويقول Philippe Seringe "هو رمز العبور والتواصل ويرمز به في الهندسة الدينيّة إلى العبور من الحياة إلى الموت"8 فهو في الذاكرة الإنسانيّة معبر يحدّد العام والخاص ويميّز بين الدّاخل والخارج.

ويسمح الباب إذن، بالدّخول الى البيت ليفضي إلى مدخل منكسر، متوسّط الإضاءة ولا يحمل أي نوع من الأثاث. والمدخل المنكسر هو نمط معماري تقليدي شائع في العمارة الإسلامية، يتمثل في عدم اصطفاف محور الدخول مباشرة مع الفضاء الداخلي (مثل الفناء أو الصحن)، وإنما يتمّ تغيير اتجاهه بزاوية أو انحناء مقصود، ممّا يخلق نوعًا من العزل البصري والصوتي بين الخارج والداخل. وهذا الانكسار لا يؤدي وظيفة دفاعية أو وظيفيّة فحسب، بل يحمل أبعادًا رمزية وثقافيّة وروحانيّة، فيرتبط هذا المدخل بقيم الخصوصيّة، والتحكم في الإنكشاف، وإحداث إنتقال تدريجي بين المجال العام والمجال الخاص. كما يهيّئ هذا النوع من المداخل الجسمَ والعينَ لتجربة عبور حسّي نحو الداخل، فيما يشبه الطقس المعماري للدخول، حيث يتحوّل الانتقال المكاني إلى تجربة نفسيّة وشعوريّة. وتمثل هذه الصور اللاحقة التدرج الهندسي لفضاء المدخل ثم الدريبة وتليها السقيفة مع بروز تغيير الاتجاه في (الصورة عدد 2 وعدد3).

صورة 1. مدخل رئيسي يظهر من خلاله الباب بالخوخة.
المصدر: صورة للكاتبة.

صورة 2. المدخل الثاني حيث يتغير الاتجاه وتتغير معه درجة الإضاءة.
المصدر: صورة للكاتبة.

صورة 3. الباب الذي يربط المدخل بوسط الدار ويسمح بتدفق الضوء.
المصدر: صورة للكاتبة.

ويشكل الفضاء الانتقالي في البيت القيرواني أيضا، عنصرًا معماريّاً ووظيفياً بالغ الأهميّة، إذ يُمَثّل مرحلة فاصلة بين العالم الخارجي الصاخب والفضاء الداخلي الحميمي. ويعتبر من أبرز تجليّات العمارة القيروانية، ويعيد هذا الفضاء باعتباره جهازًا تصميميًّا، تشكيل العلاقة بين السّاكن والمكان، وبين العام والخاص، في تفاعل مع الذاكرة والهوية. فبتغيير اتجاه فتحاته، لا يخضع التّصميم الهندسي لهذا المدخل فقط لمتطلبات الحماية أو الحشمة، بل يعكس رؤية فلسفيّة للعيش، حيث يتحوّل الانكسار في المسار من مجرد اختيار إنشائي إلى تجربة حسيّة، تتجلى عبر الحركة التدريجيّة للجسد داخل المكان. فعند دخول الزائر، لا يُتاح له رؤية الفناء مباشرة، بل يُجبر على تغيير الإتجاه، ما يُبطئ وتيرة الحركة ويخلق حالة من التمهّل والانتباه الحسّي. هذا التدرّج يُنتج انتقالاً سلسًا في الإضاءة، من الضوء الخارجي السّاطع إلى الظلال الداخلية، كما يخفّف من الضوضاء ويُحدث تحولاً في درجة الحرارة، مما يجعل العبور تجربة متعدّدة الحواس. فمن خلال هذا المسار المنكسر إذن، ينخرط الجسد في علاقة ديناميكية مع الفضاء، وتُستدعى الذاكرة المكانية باعتبارها خزانًا لتجارب العبور اليومية، بدءًا من لحظة الدخول إلى الدار، مرورًا بالاستقبال، وانتهاءً بالاستقرار في الفناء. فيكتسب هذا المدخل إذن وظيفة رمزية، بوصفه منطقة حدودية تُمارَس فيها طقوس العبور من الخارج إلى الداخل، من العمومي إلى الخصوصي، من الحركة إلى السّكون.

لقد تناول العديد من الباحثين أهمية الفضاءات الانتقاليّة في العمارة الإسلامية عامّة، وفي البيوت المغاربيّة بوجه خاص، ومنهم Patrick Barrès الذي يركّز على دور الحركة الجسديّة والإدراك الحسّي في تشكيل معنى المكان، ويقول في هذا السياق "يتشكّل المبنى في كليّته وفق إيقاع انحناءات تصميمية تتناغم مع الحركات الإيمائية المرتبطة بالعلامات المحليّة، والسمات التوجيهيّة... ويُبنى فضاء مطوي، مموّه أو ملفوف، يُشكّل من طيّة إلى أخرى"9. وبذلك يرتبط تصميم الفضاء بالتجربة الذاتيّة للفرد وضمنه. ويُمكن إسقاط هذه المقاربات على المدخل القيرواني بوصفه حالة نموذجيّة للتّناغم بين الوظيفة والمعنى. إنّ المدخل المنكسر لا يُعد مجرّد عنصر إنشائي في عمارة البيت القيرواني، بل يمثل مكوّنًا بنيويًا من مكونات التجربة المعاشة للسكن، حيث تلتقي الذاكرة الحسية بالفكر المعماري، فينتج عن ذلك فضاء زماني – مكاني مركّب، يُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ومكانه بشكل يومي.

ومن خلال التجربة المعاشية الشخصية، إلى جانب الاستئناس بمتساكني البيوت العتيقة بالقيروان، فإنّ المدخل المنكسر المتكوّن هندسيا من فضاء الدريبة والسقيفة، وفي بعض المنازل سقيفتين، تحدث تركيبته الهندسيّة إيقاعا فضائيّا وضوئيّا وكذلك إجتماعيّا، يؤطّر مراحل دخول المنزل، وتقول Etienne Souriau عن الإيقاع أنّه "يسجل الإيقاع الموسيقي أو الأدبي ضمن الزمن ويسجّل الإيقاع في الهندسة وهو أيضا موسيقى ضمن الفضاء"10 وتضيف أيضا " الإيقاع الداخلي للمنزل يفهم من خلال الزّمن الذي يوحي به لناظره"11 فهذا الإيقاع الهندسي يرتبط ضمنيّا بالإيقاع الحسي من خلال العادات والتقاليد التي تقنّن الوصول إلى الداخل، فيرتبط بالخصوصيّة ولذا فهو يصنف في الذاكرة وربّما في العادات كفضاء ذكوري. ورغم أنّ دوره لا يقتصر على المرور، يلعب فضاء الدريبة والسقيفة دور فضاءات الاستقبال بالنسبة للغرباء، فهو مكان ذو وظيفة إجتماعيّة تحتضن المناسبات العامّة والخاصّة، في الأفراح وفي الأتراح، لكن تحتفظ بطابع الذكورية، فهي الفضاءات التي يلتقي فيها الرجال سوآءا للسّمر أو للعزاء. وقد ترتبط هذه المناسبات على اختلافها بذاكرة بصريّة وسمعيّة وحتى شميّة، وترتبط أيضا بالزّمن حيث توثّق عند المتساكنين بعض الأحداث التي تسعده أو تحزنه، فالمكان يصبح عند السّاكن وعاء يحمل الحدث بكل تفاعلاته الحسيّة، بل يمثل أحداثا مميّزة وأرشيفا لذكرياته ولذاكرته .فيصبح فضاء المدخل صورا توّثق تجربة عايشها ورسختها الحواس والروتين اليومي، إلى جانب بعض الطقوس التي تتمثل في مراسم الخطبة مثلا بعاداتها المميّزة في القيروان، حيث تتم الخطبة الرجالية في الدريبة بعد طرق الباب، أو استقبال محصول القمح والشعير لتخزينه، وهو حدث مميّز بالنسبة للعائلات القيروانية، كما يلعب الفضاء دورا إقتصاديا، ففيه يقوم أصحاب البيوت من الفلاحين مثلا بمقابلة العملة لتسوية بعض الأمور الماليّة، وأيضا في بعض المنازل التي يمتهن أصحابها دور المؤدّب، يتمّ تتويج ما حفظوه من القرآن الكريم، وتسمّى هذه العملية "التّعميم" استنادا إلى العمامة التي يلبسها طلبة العلم من حفظة القرآن، وهي من المناسبات التي تتميّز بأهميّة بالغة في بعض بيوت المؤدّبين. إنّ اختلاف المناسبات التي تُوظَََّف فيها هذه الفضاءات من سقيفة ودريبة على اختلاف أهميتها، هي التي تؤسّس لذاكرة خاصّة وعامّة ترتبط بدورها بتجربة يمكن بتصنيفها بالحسيّة إلى جانب وظيفتها الحيويّة.

ومن خلال ما ذكر سابقا، يمكن تصنيف فضاء المدخل وظيفيّا إلى صنفين، الأّول وهو وعاء يحمل أحداثا تميّزه وتتماهى مع موقعه وتركيبته الهندسية، وهي مميّزة لما تحمله من تجربة حسيّة تتمازج مع بعض الأحداث. والثاني هو فضاء مرور يقتصر دوره على تنظيم العبور من الخارج الى الداخل ويفضي مباشرة إلى وسط الدار أو الفناء، حيث تتمحور الفضاءات الداخليّة حوله والذي يمثّل نقطة التّوازن في المنزل القيرواني.

2.1. من المدخل الى الفناء: "قلب التجربة الحسية"

يفضي المدخل إلى الفناء مباشرة، فيشكّل الفناء في البيت القيرواني نقطة التوازن المركزيّة وهو ليس فقط فضاءا ضوئيّا أو هوائيّا، وإنمّا يعتبر مركزا إدراكيّا وحسّيا تتقاطع فيه الحركات والنّظرات والأصوات والروائح، فهو مركز الحياة الحسيةّ في المنزل بكل تفاعلاتها، سواء اليوميّة أو الموسميّة. فيُعدُّ صحن الدار في البيت القيرواني التقليدي بمثابة الكون المصغر للمسلم، إذ يحتضن في وسطه امتدادًا للسّماء ضمن عالمه الخاص، فيعيد تشكيل العلاقة بين الأرض والسّماء داخل حدود الحياة اليوميّة، ويصف ثروت عكاشة هذا التفاعل قائلًا "نجد أنّ الإتصال بين الأرض والسماء متبادل وليس في اتجاه واحد، حيث ترتفع فوق الأرض مآذن الجامع وعرائسه، على حين تهبط السماء إلى الصحن وسط الدار أو المسجد12". إنّه إذن فضاء يحمل بعدًا رمزيًا وروحيًا عميقًا، حيث تتداخل الكتلة والفراغ، كما يتزاوج السالب والموجب، ليجسّد التفاعل بين الجسد والرّوح، والسّماء والأرض. ويقول المهندس فتحي في نفس السياق "المعماري العربي هو الوحيد الذي نجح في اجتذاب السماء للإنسان فتقريبها إليه هنا السماء والأرض في عناق مستمر لا مثيل له إلا في البيت العربي"13 وبهذا يصبح صحن الدار أداة معماريّة وظّفها المسلم لتحقيق نوع من التوازن الوجودي بين ماديته وروحانيته، عبر فتحة أفقيّة مشرقة ومرتفعة تسمح بتسلّل النور والسكينة إلى قلب البيت.

ومع هذا البعد الرمزي، يكتسب صحن الدار وظيفة حيّة وعمليّة في تنظيم الحياة اليوميّة للبيت. فهو القلب النّابض الذي تُبنى حوله جميع فضاءات المنزل، وتتشكّل من خلاله شبكة الحركة الداخليّة. ويحتضن هذا الفضاء أنشطة الحياة اليوميّة مثل اللقاءات العائليّة واستقبال الضيوف وألعاب الأطفال وأعمال النساء المنزلية، مما يجعله نقطة تفاعل مستمرة بين الأفراد، ومجالًا للتشارك، والتّواصل البصري، والسّمعي. ويرتبط أيضا بالزمن مثل الوقت والفصول. ويؤكد Paul Henri David على هذا البُعد الزّمني للضوء داخل الصّحن بقول "إذا كان مقياس الوقت في العالم الخارجي يُحدَّد عبر حرارة الهواء، ومدى إشعاع الضوء، وخصائص الطبيعة، فإن الظل داخل العمارة التي تحتوي على صحن دار يصبح ساعة داخليّة، وتدخل رقعة الظل في حوار زمني دائم مع رقعة الضوء14"، إنه إذن ليس مجرّد فراغ هندسي، بل فضاء معيش يشهد تعاقب الأزمنة وتحولات المزاج المناخي والاجتماعي للبيت. إنه كذلك مفصل هندسي محوري، يُحدَّد من خلاله توزيع الغرف (مثل بيت الجلوس، المطبخ، المخازن، الطابق العلوي)، ويضبط وظائف كلّ منها وفق علاقة بصرية وحرَكية متكاملة (صورة عدد4). فصحن الدار يوفّر إضاءة طبيعية وتهوية فعّالة لجميع الفضاءات، مما يحقّق شروط الراحة الحراريّة والبيئيّة بأدوات معماريّة بسيطة، ولكن فعالة. كما أنّه يسمح بوجود مسافة إنتقاليّة حسية ومرنة بين الخاص والعام، وبين السكون والحركة، الأمر الذي ينعكس على تجربة الساكن في إدراك المكان من حيث الظل والنور، الصوت والهواء، والرؤية والانعزال.

صورة 4. صورة بانورامية لوسط دار عتيقة تبرز فيها الواجهات والفتحات التي تفتح على مختلف الفضاءات.
المصدر: صورة للكاتبة.

وفي هذا الإطار، يُعدُّ صحن الدار "عين المنزل" التي تطلّ على جميع أجزائه، فهو رغم انفصاله عن الخارج، يبقى منفتحًا على التّغيرات المناخية والوظيفية، ويستجيب لها بحساسية معماريّة عالية. ويلعب الضوء في هذا السياق دورًا جماليًا محوريًا، حيث يترجمه المعمار من خلال تنظيم فتحات الغرف، والفضاءات الانتقالية مثل الدهليز، المطبخ، الدويرية، والهري، ما يخلق مشهديّة ضوئيّة متغيّرة. ومن هنا تتشكّل علاقة الساكن مع صحن الدار بوصفها علاقة يوميّة وحميميّة، تبنى على التكرار، وعلى تجربة الجسد في الفضاء. إنّ عبور الضوء، تغيّر الطقس، صدى الأصوات، كلها تبني ذاكرة حسيّة تترك أثرًا عميقًا في المتخيّل المكاني. فوسط الدار هو الفضاء الذي يحمل الطفولة، العائلة، المناسبات، الأعياد، والأوقات العابرة. إنه فضاء يرسّخ الوجود ويمنحه بعدًا شخصيًا وجمعيًّا، فيرتبط بالأحداث اليوميّة والموسميّة، ويمكّن الساكن من تحديد إيقاع حركي يرتبط بأحداث حياته سواء كانت مهمّة أو عابرة، فهو أرشيف يوثّق علاقاته الداخلية مع أفراد العائلة وأيضا أحداث مهمّة وقعت في مسار حياته. ويحملنا الفضاء الى المجالس حيث تتغير الوظيفة ومعها الحركة والاضاءة.

1.3. المجلس: "بين الجمالية الحسية والوظيفة الاجتماعية والرمزية المعمارية"

تحمل واجهات وسط الدار أبوابا مختلفة ومنظّمة تفضي إلى المجالس، ويُعدّ "المجلس" في البيت القيرواني أحد أبرز الفضاءات التي تتجلّى فيها العلاقة المركّبة بين الجمال والوظيفة والرّمز. فهو فضاء يتميّز بتعدّدية وظيفيّة تسمح له بأن يتحوّل حسب الحاجة من غرفة استقبال وجلوس، إلى مكان للنوم أو العزلة المؤقّتة، ما يجعل منه مسرحًا حيًّا للحياة اليوميّة، ومرآة للمرونة السكنيّة في الثّقافة القيروانية. ويتأسّس المجلس حول واجهة معمارية تحمل بابًا مركزيًا تحيط به نوافذ كبيرة من الجانبين، إلى جانب نافذة علوية صغيرة تُعرف بـ"الشمسية"، توظَّف لتنظيم الضّوء والهواء داخل الفضاء. وتشكّل هذه النوافذ نظامًا حسيًّا معقّدًا، يُدخل الضوء الطبيعي بشكل مدروس ليخلق أجواءً متغيّرة على امتداد اليوم، تُفعّل الحواس وتربط الساكن بالعالم الخارجي دون خروجه من حرمة البيت.

ويتميّز المجلس أيضًا باستخدام مواد منتقاة بدقّة، تعزّز طبيعته المزدوجة، فالجليز والزّجاج يُستخدمان لعكس الضوء وإضفاء إشراق حيوي يليق بوظيفة الاستقبال، بينما يُستعمل الخشب لتأطير الفضاء وتهيئته للنوم عند الحاجة، ممّا يخلق توازن بين الحيويّة والسكينة. وتُعدّ هذه التّوليفة المادية أحد العناصر الحاسمة في بناء تجربة حسّية للساكن، حيث تتكامل المادة مع الضوء والصوت واللون لتشكيل فضاءٍ مفعمٍ بالحياة والراحة. كما يحمل المجلس معاني رمزيّة غنيّة، كونه واجهة البيت الداخلية ومكان اللقاء مع الآخر، ممّا يجعله مجالًا لتمثيل قيم الضيافة والإنتماء والخصوصيّة. وبهذا المعنى، يتحوّل المجلس إلى فضاء يتجاوز مجرّد وظيفته العمليّة، ليغدو نقطة إلتقاء بين الجسد والمكان، بين الحاجة اليوميّة والدلالة الثقافيّة، حيث تنصهر التجربة الحسية مع البُعد الرمزي لتشكّل فضاءً معماريًا حيًّا نابضًا بالمعنى.

وفي نفس التوجّه وبأكثر تفاصيل يحمل المجلس عديد الذكريات التي تخص العائلة والمرأة خاصّة، فهو فضاءها الحميمي الوحيد في البيت، وتوليه عناية مميّزة، من خلال العناية بتنسيق مفروشاته وانتقاء مكوّناته الزخرفية بما يكرّس خصوصيته الجمالية، فهو عالمها الخاص التي لها الحق أن تحدّد داخله وأن تتقن تفاصيله، وبالتّالي فهو يحمل صور ذكرياتها وأهمّ لحظاتها مثل زواجها وإنجابها، وهي تفاصيل تنفرد بمعرفتها وتدرك من خلالها المكان بكافّة حواسها ،فمثلا تعرف جيدا متى تغلق النوافذ للحفاظ على الهواء البارد في فصل الصّيف أو الدافئ في فصل الشتاء، وتعلم أيضا المواعيد المناسبة لتغيير المفروشات والسّتائر التي تتناسب مع الفصول لتعديل الأجواء الداخليّة، وتحفظ أيضا بدقّة خطواتها باتجاه فضاء المقصورة أو فضاء الرّتبة (صورة عدد7) ويلعب دور غرفة الاستقبال. ومن خلال تفاصيل المكان، تدرك مواعيد الجلوس والاسترخاء والنوم لعائلتها وخاصة لزوجها، مما يجعلها تتقن تنظيم المكان. وقد تتكرّس هذه الحركات في الذاكرة الجسدية، وتصبح ردود فعل تلقائية تعيد إحياء المكان حتى في غيابه، حيث يصبح المكان ليس مجرّد فراغ مادي، بل مساحة مشحونة بالذاكرة والوجدان، ويتحول البيت إلى كيان شعري تنسج فيه المخيلة الأمان وحتى الخوف. ويقول Bachelard في هذا السياق " كل فضاء مأهول بحق يحمل جوهر مفهوم البيت. وسنرى كيف تعمل المخيلة في هذا الاتجاه حين يجد الكائن أدنى مأوى: سنرى المخيلة تبني "جدرانًا" من ظلال غير ملموسة، وتتعزى بأوهام الحماية أو، على العكس، ترتجف خلف جدران سميكة، وتشكك في أمتن الحصون.15" فالمجلس هو فضاء الأمان والحماية بالنسبة للعائلة وخاصة المرأة.

وهنا لا يمكن تجاهل أهمية التركيبة الهندسية لفضاء المجلس داخل البيت القيرواني العتيق، إذ يشكّل هذا الفضاء وحدة معمارية مركّبة، تتداخل فيها الأبعاد الوظيفية والجمالية والرّمزية. فيتميّز المجلس بتصميمه المتصالِب الذي يتخذ شكل الحرف اللاتيني "T"، وهو تنظيم فضائي ينبع من منطق داخلي دقيق، يُراعي حاجات السّكن والخصوصية والانفتاح في آنٍ واحد. ويتكون المجلس من الرتبة، وهي الفضاء المركزي المخصص للجلوس والاستقبال، وتقع عادةً قبالة المدخل، ما يمنحها الأفضلية من حيث التعرّض للضوء الطبيعي والانفتاح البصري. على جانبي هذه الرتبة، يتموضع ما يُعرف بـ"فرش الحجام"(صورة عدد6)، وهما غرفتا نوم تؤديان وظائف خصوصية، ويمكن التحكّم في انكشافهما عبر استخدام الستائر، ممّا يوفّر مرونة في التّفاعل بين الفضاءات المغلقة وشبه المفتوحة. أمّا المقصورتان، (صورة عدد5) فهما وحدتان فرعيّتان غالبًا ما تُخصّصان لحفظ الملابس، أو لاستعمالات ثانوية كغرف نوم أطفال أو حمّامات خاصة، ما يعكس تنوّع الاستخدام ضمن الوحدة المعمارية الواحدة.

صورة 5. فضاء الاستقبال الرتبة.
المصدر: صورة للكاتبة.

صورة 6. فضاء النوم فرش الحجام.
المصدر: صورة للكاتبة.

صورة 7. فضاء المقصورة.
المصدر: صورة للكاتبة.

ولا تقتصر أهمية المجلس على تنظيمه البنيوي، بل تتجلى بشكل أعمق في قدرته على خلق تجربة حسيّة كليّة، يتفاعل فيها الجسد مع المكان عبر النظر، واللمس والشم والحركة. ووفقًا ل Bachelard "لا يمكن اختزال الفضاء إلى مجرد معطى هندسي أو وظيفي، بل هو فضاء معيش (espace vécu)، تتشكّل فيه علاقة حميمة بين الإنسان والمكان عبر الذاكرة والخيال والعاطفة"16. وفي هذا السياق، يُمكن اعتبار المجلس القيرواني نموذجًا لفضاءٍ تتكثّف فيه الذكريات السكنية العميقة، حيث تتحوّل الطّقوس اليوميّة من الجلوس والاستقبال، والنوم والتأمّل، إلى أنماط إقامة تُرسّخ في الجسد والعقل على حد سواء.

ويمثّل التصميم المتصالِب للمجلس أيضا، بنية موجّهة للحركة والبصر، تُنتج إيقاعًا مكانيًا خاصًّا، يستجيب لحاجات الجسد في الانتقال والاستقرار، ويؤطر الزّمن عبر تكرار الطقوس اليوميّة. وبهذا المعنى، فإنّ المجلس لا يُعاش بوصفه فراغًا جامدًا، بل ككائن حميمي يُفعّل الذاكرة ويستدعي الإحساس. ولا يخلو فضاء المجلس من مواد مختلفة تغطي الجدران كما ذكرنا سابقا، فالسّقف الخشبي بما يحمله من عروق ظاهرة ورائحة مميّزة يساهم في تفعيل الذاكرة الشميّة والبصريّة، بينما يلعب الجص المزيّن والمربّعات الخزفيّة، بأشكالها وألوانها المتعدّدة، دورًا في إيقاظ الحواس وتوليد انطباعات لونيّة متفاوتة باختلاف أوقات النّهار. أمّا الجدران، فتتحوّل إلى لوحات معيشة، تتداخل فيها الصناعة التقليديّة مع الحياة اليوميّة، عبر ما تضيفه المرأة من أغطية وستائر منسوجة يدويًّا، تعبّر عن الذوق المحلّي والهويّة الثقافيّة، وتضفي على الفضاء طابعًا دافئًا وحميمًا. فكل عنصر في هذا التكوين لا يؤدي وظيفة زخرفيّة فحسب، بل يُساهم في بناء العلاقة الحسيّة بين السّاكن والمكان. إضافة إلى الإضاءة المتغيّرة التي تنعكس على الأسطح الخزفيّة، وتبرز الملمس المختلف بين الخشب والنسيج والجص، فتخلق مشهدًا متحرّكًا ومتجدّدًا باستمرار، ترصده الحواس وتؤرّخه الذاكرة الجسديّة. وبفعل التكرار اليومي، تتحوّل هذه التّجربة إلى طقس معيشي تُعاد صياغته باستمرار بين الفرد والمكان، ممّا يرسّخ الفضاء في الوعي الحسي للساكن، لا كمعطى معماري جامد، بل ككائن حي ينبض بالحياة ويُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ووسطه.

2. الذاكرة والمكان في البيت القيرواني العتيق

1.2. الفضاء كخزان للذاكرة

في الفينومينولوجيا المعمارية، لا يُفهم المكان بوصفه فراغًا هندسيًا محايدًا، بل ككيان حي، ومفعم بالحسّ، والتجربة، والرّمزية. وكما يؤكّد Bachelard أيضا " فإن البيت ليس فقط مأوى مادّيًا، بل هو "الكون الأول" الذي يؤسّس علاقة الإنسان بالعالم، ويكوّن صورته الحميميّة عن الذات والمكان. في هذا المنظور، يصبح البيت بمختلف غرفه وزواياه موضعًا حيويًّا للذاكرة المتجسّدة، حيث تتداخل التجربة الحسيّة مع الخيال والتأمل، وتتشكّل عبره الصور العميقة التي تسكن اللاوعي الجمعي والفردي"17. والبيت القيرواني العتيق، بتكوينه التقليدي المنغلق حول فناء مركزي (صحن الدار)، يُجسّد بوضوح هذه العلاقة الوجودية بالفضاء. فكل عنصر معماري فيه – من المدخل المنكسر إلى السقيفة، ومن المجلس إلى العتبات والزوايا– لا يُمارَس فقط وظيفيًا، بل يُعاش ويُستوعب عبر تكرار طقوسي يومي، يُرسَّخ في الجسد وفي الذاكرة. وكما يشير Christian Norberg-Schulz، "فإنّ "روح المكان" لا تُدرك عقلانيًا، بل تُسكن وتُجسّد من خلال الفعل المعاش، حيث يصبح المعمار إطارًا لحياة تتجدّد وتُحمّل بالمعنى"18.

وفي هذا السياق، يتحوّل صحن الدار مثلًا إلى مركز شعوري وزماني، يتشكّل فيه الإدراك المكاني عبر تعاقب الضوء والظل، صوت المياه، رائحة النباتات، وتردّد الأصوات بين الجدران. وتُصبح الممرّات والمداخل والسقائف علامات حسّية تُستعاد ذاكرتُها من خلال تفاصيل صغيرة مثل صرير الباب، ملمس الجبس، بريق الزليج، دفء ضوء الظهيرة، ورائحة الجير بعد المطر. كل هذه التفاصيل تُحفظ في الذاكرة لا كصور ثابتة، بل كتجارب مركّبة تُستدعى من خلال الحواس، كما وصفها Bachelard بـ "إنّ المخيّلة تنقش في ذاكرتنا فهي تعمّق الذكريات المعيشة، وتنقل الذكريات المعيشة لتصبح ذكريات من صنع الخيال"19. ولا تكون الغرفة أيضا مجرّد حيز هندسي، بل هي رائحة جدران رطبة في الشتاء، صوت خطوات في الصمت، ضوء شمس يتسرّب عبر فتحة، ملمس لحاف مطويّ على سرير قديم، صرير باب خشبي، وهدوء المساء الممزوج بهمهمات بعيدة. هذه العناصر كلها تتراكم مع الزمن في الوعي الحسي، لتصنع ذاكرة جسدية تُستدعى لا عبر النظر، بل من خلال الحنين والانفعال والتكرار العاطفي.

فالبيت القيرواني، إذًا، ليس مجرد إطار مادي للحياة، بل هو مستودع غني للذاكرة، وجغرافيا حميمة للهوية. وعبر المعمار، يتشكّل الشعور بالانتماء ويُعاد إنتاج الزّمن، وتترسّخ العلاقة بين الإنسان والمكان من خلال التكرار، الطقوس، والعلاقات الماديّة والحسيّة. ومن هنا تأتي أهميّة دراسته ليس فقط من زاوية تاريخه أو هندسته، بل كجسد حي يعبّر عن عبقرية المكان، ويمنح ساكنيه بُعدًا وجوديًّا يتجاوز الوظيفة إلى المعنى.

2.2. الذاكرة الحسيّة والمكان المُعاش

لا تعتبر الذاكرة المعماريّة سجلاًّ بصريًّا ساكنًا فحسب، بل هي خبرة جسديّة متجذّرة في التكرار الحركي، والرّوتين اليومي، والانفعالات الشعوريّة التي يمرّ بها الإنسان داخل الفضاء. فإنّ البيت لا يُذكر من خلال صورة فوتوغرافيّة ذهنية، بل يُستعاد عبر الحواس، فرائحة الياسمين في الفناء وصوت الأذان وهو يتردّد بين الجدران مثلا، كلها عناصر تُؤسّس لما يُعرف بالذاكرة الحسيّة. والبيت القيرواني، بتخطيطه المغلق وبفضائه الداخلي المحوري، يُجسّد هذه الذاكرة الحسيّة، فالحركة اليوميّة بين السقيفة والدريبة ووسط الدار والغرف والمجلس، والمطبخ، تتحوّل إلى طقوس زمنيّة، تعيد تشكيل العلاقة بين الجسد والمكان، وتمنح للإقامة معنىً يتجاوز الحاجة الوظيفية إلى بعد شعوري-رمزي. ولا يُقاس الزّمن داخل البيت القيرواني العتيق بالسّاعات، بل بالتكرارات اليوميّة التي تتّخذ طابعًا طقوسيًا مثل الإفطار في وسط الدار، تحضير الطعام في المطبخ، استقبال الضيوف في المجلس، أو الاستلقاء في البيت الشتوي أيّام البرد. هذه الطقوس تخلق إحساسًا بزمن داخلي يُعاش بالحركة والإيقاع، لا بالقياس المجرّد. ووفق الفينومينولوجيا، يُصبح الفضاء حاويًا للزّمن، وجدران البيت شاهدة على سيرورة العيش المتكرّرة. وهكذا يتحوّل المكان إلى مرآة للذاكرة الزمنيّة، حيث تحمل كل غرفة أثرًا لعلاقة، أو عادة، أو لحظة زمنيّة متكرّرة رسّخت معالمها في الجسد والوجدان.

وليست كل الفضاءات متساوية في دلالاتها، فوسط الدار مثلًا، وكما ذكرنا سابقا، هو مركز البيت و"قلبه النابض"، يحيل إلى الانفتاح على السماء، على النّور، وعلى التقاء العائلة. أمّا السقيفة، فهي منطقة إنتقاليّة، رمزية، تفصل بين الداخل والخارج، وبين العام والخاص، وتحمل في وظيفتها معنى الحماية والانفصال عن الفضاء الخارجي. والمجلس أيضا بدوره يتجاوز كونه غرفة استقبال، ليكون واجهة رمزيّة تعكس هويّة العائلة وثقافتها، فتزيينُه، وشكله المعماري خصوصًا مع موادّه المتنوعة كالخشب والجص والخزف، كلّها تمثل هوية ثقافيّة تمتزج بالبعد الحسّي. فالألوان والأنماط ورائحة المكان وأصوات الحديث، تصبح من خلالها الذاكرة مخيالًا جماعيًا يُنقَل من جيل إلى آخر، مُضمَّنًا في الطّوب والخشب والزخرفة.

وفي البيت القيرواني أيضا، تتكامل المواد مع الحواس، فملمس الجصّ الناعم، والبرودة الكامنة في البلاط، وملمس الخشب المصقول، وعبق الزيتون والصابون التقليدي، والألوان الزاهية في الزليج، والمنسوجات اليدويّة، والسّتائر التي تغيّر إضاءة الفضاء، كلها تبني تجربة حسّية معمارية أصيلة، إضافة إلى الضوء المتسلّل من أعلى وسط الدار، والظلال التي تتحرّك على الجدران، والصدى الناعم للصوت، كلّها أجزاء من تكوين حسي دقيق، وكلّ عنصر في البيت يُساهم في تشييد ذاكرة حسيّة طويلة الأمد. وهي الأدوات التي تكوّن "مناخ المكان"20 حسب Christian Norberg-Schulz أي الجوّ الشعوري الذي يخلق معنى الانتماء المكاني.

لذا يمثل البيت القيرواني، كائنا حيّا ينقل جدليّة الجسد والمكان، فتفاعل الذات مع البيت ليس فقط بوصفها ذاتًا حاضرة تعيش وتبني علاقتها الحسية بالمكان، بل ككائن يتحرّك في داخله، يستجيب لتغيراته، ويتأثّر به نفسيًا وعاطفيًا. فالعلاقة بين الإنسان وبيته إذن هي علاقة وجوديّة، قائمة على التحام الجسد بالفضاء. وهنا، يُصبح البيت امتدادًا للجسد، ومخزنًا للمشاعر، والذكريات، والأحلام. وفي هذا الإطار، لا يعدّ البيت مجرّد مسكن، بل كيانًا يرافق الإنسان، يحفظ سره، يشهد تبادلاته، ويُعيد تشكيل ذاته. وهذه العلاقة العضويّة بين الكيان البشري والفضاء، هي التي تجعل البيت القيرواني، بكلّ تفاصيله، خزانًا لذاكرة حيّة، تستمر حتى بعد مغادرته. فالبيت القيرواني العتيق، بمكوناته المعماريّّة والرمزيّة والحسيّة، هو أكثر من مجرد مأوى إنه مرآة للذاكرة، ومسرح للتجربة اليوميّة، وفضاء مشبع بالرموز والانفعالات. فمن خلال استحضار مفاهيم الفينومينولوجيا المعمارية، نكتشف كيف تتحوّل المادة إلى معنى، وكيف يصبح الفضاء مسكنًا للروح قبل أن يكون مأوى للجسد. إن هذا الفهم الجسدي والحسي للذاكرة المكانية يوسّع الإدراك المعماري ليشمل البُعد الإنساني-الوجودي للفضاء، حيث يغدو المعمار وسيلة لتشكيل الذاكرة، لا مجرّد إطار مادي لها. فالبيت لا يعلّمنا فقط أين نعيش، بل "كيف نحلم" لذا يسمح فهم البيت القيرواني في ضوء العلاقة بين الحواس والجسد والزمن، بإعادة الاعتبار للمعمار التقليدي بوصفه لغة وجودية، تحفظ الذاكرة وتنقلها عبر الأجيال.

3.2. الذاكرة الحسيّة والمكان المُعاش

لا يُختزل البيت القيرواني العتيق في هندسته المادية فحسب، بل يتجاوزها ليُصبح حافظة حيّة لذاكرة غير مادية، تتغذّى من الحواس اليومية، ومن تكرار الطقوس، ومن أثر الزمن في الجدران. في هذا السياق، تتحوّل مكوّنات البيت إلى عناصر أرشيفيّة حسّية تُسجّل ما لا يُكتب، وتحفظ ما لا يُوثّق بالنصوص. فالجدران، بما تحمله من آثار الرطوبة والشقوق، تروي بصمتها تاريخ العائلة، أما الفناء الداخلي، فهو شاهد على لحظات الحياة اليوميّة، من أصوات الأطفال وهم يركضون، إلى صدى ضحكات النساء، إلى وقع الخطى الذي يعيد رسم الحضور الغائب. كذلك يحمل الزليج بصمات الأجيال المتعاقبة، بما فيه من تغيّر لون أو تقشّر بسيط، يُشير إلى مرور الحياة. حتى الأبواب الخشبية، بانغلاقها الذي يصدر صوتًا مألوفًا، تستحضر صورًا وشخصيات وذكريات تتجدّد في الذاكرة كلما استُعيدت. وهذه الأبعاد المعماريّة لا تكتمل إلا عبر الطقوس اليومية التي تُمارَس في الفضاء. فغسل اليدين من البئر، وتحضير الشاي في باحة الفناء، والجلوس مساءً قرب الباب، وتزيين الجدران في المناسبات، كلّها طقوس صغيرة لكنها متكرّرة، تشكّل بمرور الزمن نسيجًا من الذاكرة الجماعيّة والفرديّة، وتُرسّخ إحساسًا بالانتماء المكاني. إنّ تكرار هذه الممارسات يمنح للفضاء بعدًا يتجاوز المادي، ويحوّله إلى امتداد حميمي للذات، يصعب فصله عنها أو نسيانه. من منظورٍ ظواهري، يُشكّل الجسد أداة أساسية لحفظ الفضاء المعماري، لا بوصفه جهاز تسجيل ميكانيكي كما تفعل الكاميرا، بل باعتباره وعاءً إدراكيًا تُختزن فيه العلاقة بالمكان من خلال الحركة والانفعالات. فخطوات محدّدة نحو غرفة معينة، أو الانحناءة لفتح باب خشبي قديم، أو الاعتياد على الجلوس في زاويةٍ بعينها، كلها حركات تتكرّس في الذاكرة الجسديّة وتتحوّل إلى ردود فعل تلقائيّة تُعيد تمثّل البيت حتى في غيابه، لتخلق ما يمكن تسميته بـالبيت الداخلي، أي الفضاء المتخيَّل الذي يسكن الذات. فانطلاقًا من هذا التفاعل المركّب بين الجسد والمكان، يصبح البيت القيرواني بمثابة نص معماري غير مكتوب، تُنتج معانيه من خلال الاستخدام، ويُعاد تشكيله عبر الذكرى، ويتجدد حضوره مع كل ممارسة أو طقس يومي. هذه القراءة تفتح المجال أمام فهم الفضاء المعماري التقليدي ليس فقط عبر أبعاده الوظيفيّة أو الرمزيّة، بل باعتباره بنية ديناميكية تُشكلها الذاكرة الحسية، وتُغذّيها العلاقة الجسدية المستمرة مع المكان.

وحين يبتعد الإنسان عن هذا الفضاء، لا تذبل الذاكرة، بل تنشط بفعل الحنين. يتذكّر الفرد ملمس الأرضيّة الباردة صباحًا، وصوت الخطى على الرّخام، ورائحة الحجر الرّطب بعد المطر. هذه الومضات الحسية لا تُعيد فقط تشكيل البيت في المخيّلة، بل تخلق بيتًا داخليًّا موازيًا، يسكن الذات ويشكّل جزءًا من هويتها. وهكذا، يصبح الحنين بمثابة قوة خفيّة تُعيد إحياء الفضاء المعماري في الذاكرة، وتحفظ استمراريته خارج وجوده المادي، فيكون البيت القيرواني بمثابة كيان حيّ، لا ينقضي بمجرد مفارقته، بل يمتدّ داخل الذّات كأرشيف حسّي دائم.

خاتمة

لا يُعدّ البيت القيرواني مجرّد مأوى ماديّ، بل يتجاوز حدوده البنيوية ليُصبح بنية ديناميكيّة تُجسّد التفاعل بين الزّمن، والجسد، والممارسة الحسيّة. إنه ليس فضاءًا جامدًا، بل "مكانٌ يُحيا فيه"، وفق المقاربة الظواهريّة التي يؤكدها Meiss Pierre von فيقول في هذا السياق "مع المكان، يكتسب الفضاء والزّمن قيمة محدّدة وفريدة؛ فيكفّان عن أن يكونا مجرد تجريد رياضي أو موضوعًا جماليًّا، ويكتسبان هويّةً ويصبحان مرجعًا لوجودنا: فضاء مقدّس وفضاء دنيوي21"، حيث تتحوّل المكونات المعماريّة إلى علامات دالّة تُسجّل ذاكرة الأجساد والأجيال، في غياب أي وسيط نصّي. فهذه الذاكرة لا تتجسد عبر الاستعمال الوظيفي فقط، بل تتكوّن بفعل الاستعمال المتكرّر، والانفعالات اليوميّة، والطّقوس الاجتماعية التي تشكّل الذّات والمجتمع. ومن خلال هذه العمليّات، يتحوّل البيت إلى كيان حيّ يشبه النص المفتوح، تُعاد كتابته يوميًّا عبر التفاصيل غير المرئية، وهذه العناصر تُعيد تشكيل الحضور الغائب وتُثبت اتصال الفرد بالمكان حتى بعد الرّحيل عنه.

والجسد بدوره لا يُدوّن المكان، بل يُخزّنه ويتماهى معه عبر الحركات التلقائيّة والممارسات العاديّة. إنّ الذاكرة الجسديّة للبيت تُقاوم الغياب المادي، وتُعيد استحضاره بصيغة داخليّة، تُجسّد بيتًا موازيًا يسكن المخيّلة ويستمر كجزء من الهويّة. وفي هذا السياق، يغدو تحليل العمارة القيروانيّة مدخلاً لفهم أعمق للمكان من منظور أنثروبولوجي-رمزي وحسّي-معرفي، خاصة حين يتمّ الرّبط بين ممارسات العيش وتكوّن الفضاء. كما أنّ هذه المقاربة تُمهّد لفتح حوار بين الإرث المحلّي ونظريّات الفضاء المعماري من أعمال Revault، وRapoport، وZumthor، بما يسمح بإنتاج قراءة نقديّة تُنصف العمارة التقليديّة بوصفها وعاءً للذاكرة، وليس مجرّد أثر تاريخي. وإذ اعتبرنا أن أغلب التصاميم الحديثة، خاصة في العمارة النمطيّة، ترتكز على معايير تقنيّة ومقاسات موحّدة لا تأخذ بعين الاعتبار تنوّع الأجساد واختلاف الحاجات. فيتمّ التعامل مع الجسد ككائن هندسي، لا ككائن حيّ يتنفّس، يتحرّك، ويشعر. فالتّفكير في الجسد لا يعني فقط مراعاة مقاساته أو حركته، بل يشمل أيضًا الإيقاع الزمني لتجربته داخل المكان. كيف يدخل؟ أين يتوقف؟ ما الذي يراه ويسمعه ويشمّه؟ ما الذي يلامسه؟ إن استحضار هذه الأبعاد يسمح بابتكار فضاءات تستجيب لتجربة الإنسان الكاملة، لا فقط لوظائفه البيولوجية. إنّ إعادة إدماج الفضاءات الانتقاليّة، واسترجاع بعدها الرّمزي والحسّي، وإعادة الاعتبار للجسد داخل العمليّة التصميميّة، ليست مجرد محاولات للعودة إلى الماضي، بل هي دعوة لإبداع مستقبل معماري أكثر حسيّة وأكثر إنسانيّة وأكثر تجذُّرًا في بيئته الثقافيّة والاجتماعيّة. إنها دعوة لتجاوز الحداثة النمطيّة نحو حداثة متصالحة مع الجسد والذاكرة والهويّة، تعبّر من خلال البيت عن طبيعة الخيال السّكني فالحلم بالبيت لا يتحقّق بتمامه، بل يُعاش كتصوّر شعريّ، ويظلّ مفتوحًا، مؤقتًا، حيًّا… لا كخاتمة جامدة. وحسب Bachelard " يجب أن نبيّن أنّ البيت هو إحدى أعظم القوى التي تُوحّد أفكار الإنسان وذكرياته وأحلامه. وفي هذه الوحدة، تكون أحلام اليقظة هي المبدأ الرابط. إن الماضي والحاضر والمستقبل يمنحون البيت طاقات مختلفة، طاقات غالبًا ما تتداخل، وأحيانًا تتعارض، وأحيانًا أخرى تُثير بعضها البعض22" وهكذا، لا تنتهي حياة البيت عند مغادرته، بل تبدأ رحلة جديدة داخل الجسد والذاكرة، ليُصبح البيت القيرواني امتدادًا حيًّا لهوية الفرد، ومحفوظًا غير ماديًّا لثقافةٍ تتجدد عبر الأثر والحنين والممارسة.

الهوامش

1 D. Clevenot,1994, p. 27.
2 G. Bachelard, 1961, p. 32.
3 L. Khan,2006, p. 214.
4 G. Bachelard, 1961, p. 44.
5 J. Revault,1980, p. 34.
6 M. Merleau-Ponty, 1945, p. 118.

7 شاكر اللعيبي،2007، ص 112.

8 P. Seringe, 1995, p. 318.
9 P. Barrès,2006, p. 55.
10 E. Souriau, 1990, p. 1263.
11 E. Souriau, 1990, p. 1263.

12 ثروت عكاشة،1998، ص61.
13 حسن فتحي، 1989، ص42.

14 P. David, 2001, p. 86.
15 G. Bachelard, 1961, p 33.
16 G. Bachelard, 1961, p. 26
17 G. Bachelard, 1961, p. 44.
18 C. Norberg-Schulz,1997, p. 22
19 G. Bachelard, 1961, p. 58.
20 C. Norberg-Schulz,1997, p. 22.
21 P. Meiss, 1993, p. 147.
22 G. Bachelard, 1961, p. 34.

المصادر و المراجع

المراجع العربية

حسن فتحي، 1989، عمارة الفقراء، وزارة الثقافة بالقاهرة، القاهرة.
شاكر لعيبي، 2007، العمارة الذكورية: فن البناء والمعايير الاجتماعية والأخلاقية في العالم العربي، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت.
ثروت عكاشة، 1998، القيم الجمالية في العمارة الإسلامية، دار الشروق، القاهرة.

المراجع الفرنسية

BACHELARD Gaston, 1961, La poétique de l’espace, Presses Universitaires de France, Collection « Bibliothèque de philosophie contemporaine », Paris, 1ʳᵉ éd. 1957, 3ᵉ éd. BARRES Patrick, 2006, Expérience du lieu : Architecture, paysage, design, L’Harmattan, Paris.
BARRES Patrick, 2007, « L’espace architectural en pli. Pratiques du lieu et du flux », Presses Universitaires de Bordeaux. Référence électronique : Communication et organisation [En ligne], n°32, mis en ligne le 01 décembre 2010.
URL : http://journals.openedition.org/communicationorganisation/290
DAVID Paul Henri, 2001, Psychologie de l’architecture, L’Harmattan, Paris.
GONZALEZ Valérie, CLEVENOT Dominique, 1994, Une esthétique du voile. Essai sur l'art arabo-islamique, Revue du monde musulman et de la Méditerranée, n°72.
KAHN Louis, 2006, Silence et lumière, PICARD DIFFUSES, 2ᵉ éd.
MERLEAU-PONTY Maurice, 1945, Phénoménologie de la perception, Gallimard, Paris.
NORBERG-SCHULZ Christian, 1997, Genius Loci : Paysage, ambiance, architecture, Mardaga Éditions, Bruxelles.
REVAULT Jacques, 1980, Palais et demeures de Tunis, éditions du centre national de la recherche scientifique 15, Paris.
SERINGE Philippe, 1995, Les symboles dans l’art, dans les religions et dans la vie de tous les jours, Éditions Hélios.
SOURIAU Étienne, 1990, Vocabulaire d’esthétique, Presses Universitaires de France, Paris.
VON MEISS Pierre, 1993, De la forme au lieu. Une introduction à l’étude de l’architecture, Presses Polytechniques et Universitaires Romandes, Lausanne.

الكاتب

أنيسة غويلة عطاء الله

مساعد بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان جامعة القيروان

فهرس

إرشادات

نبذة عن مجلة السبيل

مقالات العدد

Retour en haut