2025 | 20
المنتزهات الأميرية بإفريقية خلال العهد الفاطمي: سردانية نموذجا
جهاد الصويد
الفهرس
الملخص
تمثّل "سردانية" أحد أهم المنتزهات الأميرية خلال العهد الفاطمي، وقد تواترت الإشارة إليها في المصادر منذ القرن 4 هـ/ 10 م، وتواصلت ذِكرى موضعها في جهة السبيخة في المنطقة المعروف حاليا بسرديانة قرب وادي سرديانة الواقعة على بعد 17 كلم شمال غرب عين جلولة (Cululis خلال الفترة القديمة) من ولاية القيروان. ومكّنتنا أعمال المسح الأثري بجهة السبيخة من تأكيد موضع منتزه سرديانة بهذه الجهة ومن رصد وتوثيق التواجد الكثيف للمواقع الأثرية والمنشآت المؤرخة بالفترة القديمة والوسيطة.
الكلمات المفاتيح:
سردانية، منتزه، الفاطميون، القيروان، إفريقية.
Résumé
“Sardaniya”, un célèbre lieu de plaisance Fatimide attesté par les sources arabes à partir du Xe siècle. Son souvenir est perpétué par les toponymes actuels de “Sardiyana” et “Oued Sardiyana”, dans la région de Sbikha à 17 km au nord-ouest de l’actuel Aïn Jloula (l’antique Cululis). La prospection archéologique mené dans cette région nous a permis de confirmer l’emplacement de ce lieu de plaisance Fatimide puis Ziride et d’attester la présence remarquable des sites et des installations antiques et médiévales.
Mots-clés :
Sardaniya, lieu de plaisance, Fatimides, Kairouan, Ifriqiya.
Abstract
“Sardaniya,” a famous Fatimid pleasure resort attested to by Arab sources from the 10th century onwards. Its memory is perpetuated by the current place names ‘Sardiyana’ and “Oued Sardiyana,” in the Sbikha region 17 km northwest of present-day Ain Jloula (ancient Cululis). Archaeological surveys conducted in this region have enabled us to confirm the location of this Fatimid and then Zirid pleasure resort and to attest to the remarkable presence of ancient and medieval sites and installations.
Keywords:
Sardaniya, pleasure resort, Fatimids, Kairouan, Ifriqiya.
المرجع لذكر المقال
جهاد الصويد، « المنتزهات الأميرية بإفريقية خلال العهد الفاطمي: سردانية نموذجا »، السبيل: مجلة التّاريخ والآثار والعمارة المغاربية [نسخة الكترونية]، عدد 20، سنة.2025
URL : http://www.al-sabil.tn/?p=8329
نص المقال
المقدمة
تمثّل المنتزهات والتنزّه بإفريقية خلال الفترة الوسيطة المبكّرة أحد المواضيع التي لم تحض باهتمام كبير في الدراسات التاريخية والأثرية بالبلاد التونسية واقتصر الاهتمام في الغالب على المدن الأميرية وعلى دراسة بعض قصورها وذلك خلافا للمنتزهات الأموية والعباسية في المشرق ومنتزهات بلاد الأندلس، حيث استطاعت الدراسات التاريخية والأثرية تقديم قوائم مضبوطة للمصطلحات المعتمدة في توصيف هذه المنتزهات وحدّدت مواضعها ومكوّناتها المعمارية ومختلف مرافقها. وتسعى هذه الدراسة إلى فتح ملف المنتزهات بإفريقية خلال الفترة الوسيطة من خلال أبرز نموذج تواتر ذكره في المصادر خلال الحقبة الفاطمية والزيرية بإفريقية وهو منتزه سردانية الذي نسعى إلى محاولة تحديد موضعه وامتداده وعلاقته بالتوجّهات المعمارية والاختيارات المجالية العامة للفاطميين وللزيريين من بعدهم وذلك من خلال تجميع مُجمل المعطيات المصدرية المكتوبة ومن خلال تقديم نتائج الأعمال الميدانية. فكيف قدّمت المصادر منتزه سرديانة ومجاله وهل يمكن ميدانيا تأكيد موضعه وعلاقته بسياسة الفاطميين واختياراتهم المجالية؟
1. منتزه سردانية: الشواهد المصدرية
يقدّم البكري الذي عاش خلال القرن 5 هـ/ 11 م (توفي 487 هـ/1094 م) في كتاب المسالك والممالك أول إشارة صريحة لوجود "منتزه سردانية" وذلك عند تقديمه لطريق الجبال بين القيروان وبونة، وعند وصفه "لجلولا" التي تمثّل المحطة الأولى من هذا الطريق، حيث أفادنا "ومن مدينة القيروان إلى مدينة جلولا أربعة وعشرون ميلا ... وبقرب جلولا منتزه يعرف بسردانية ليس بإفريقية موضع أجمل منه فيه ثمار عظيمة وفيه من النارنج خاصة نحو ألف أصل"1.
وتطرح هذه الإشارة إشكالا على مستوى تأريخها، فبالرغم من وجود استنتاج عام لدى الباحثين مفاده أن ما يورده البكري من أخبار ومعلومات حول إفريقية منقول عن محمد بن يوسف الورّاق الذي عاش خلال القرن 4 هـ/ 10 م (توفي 363 هـ/ 973 م)2، إلاّ أنه لا وجود لما يؤكّد أنّ الخبر حول "جلولا" وحول "منتزه سردانية" مصدره يوسف الورّاق، حيث لا نجد في هذه الفقرة عبارة تنسب الخبر مباشرة إلى الورّاق كما جرت العادة في بعض الفقرات التي يذكر فيها البكري مثلا عبارة "قال الورّاق". وقد بيّنت دراسة حديثة أن النص الذي وصلنا من كتاب المسالك والممالك فيه تتمّة وإضافة من كاتب يُعرف بابن غلندة عاش في القرن 6 هـ/ 12 م3 والنص الوحيد الأصلي الذي وصلنا من دون تدخّل ابن غلندة نجده في كتاب الاستبصار الذي اعتمد بدوره على كتاب المسالك للبكري ونقل عنه النص الأصلي4. وحيث أن الوصف الذي قدّمه صاحب كتاب الاستبصار لمدينة "جلولا" مشابه لما أورده البكري ويغيب فيه في المقابل وصف منتزه سردانية5 فإنّنا لا يمكن أن نؤكّد أنّ النصّ الذي بين أيدينا حول هذا المنتزه منقول عن الورّاق خلال القرن 4 هـ/ 10 م.
ويمكن الإشارة في المقابل إلى بعض التفاصيل التي نجدها في نص البكري حول مدينة "جلولا" والتي قد تساعدنا في تحديد تاريخ هذه الأخبار ومصدرها، فهو يذكر خبرا عرضيا مفاده أنّ "بجلولا آثار وأبراج للأول وآبار عذبة وخرائب وجد فيها بعض الرعاة تاج ذهب بجوهرة، فأخذه منه ابن الأندلسي". فمن هو ابن الأندلسي ومتى عاش؟
إنّ أهم تعريف لابن الأندلسي ولأصله ونسبه وحياته نجدها في كتاب المقتبس في أخبار بلاد الأندلس لابن حيّان القرطبي في فقرة عنونها "ذكر خبر فراق جعفر بن علي المعروف بابن الأندلسي عامل مسيلة وما يليها من بلد المغرب لإمامة معد بن إسماعيل الشيعي صاحب إفريقية"، ويقدّم ابن حيان خبرا مطوّلا ينسبه للوراق ابتدأه بعبارة "ذكر محمد بن يوسف بن عبد الله الوراق الحافظ لأخبار المغرب أن جعفر وأخاه ...هما ابنا علي بن حمدون...". وتُؤكّد التفاصيل التي يقدّمها الورّاق حول شخصية علي بن حمدون المشهور بابن الأندلسي معرفته بهذه الشخصية وبطبيعة علاقتها بالفاطميين بل ولا نستبعد معاصرته له، حيث يفيدنا بأنّ عبيد الله المهدي جعله "قريبا من ولي عهده أبي القاسم وأصبح في خدمته وصحبه إلى أرض المغرب سنة 315 هـ واخترع بنيان مدينة المسيلة فألزم بنيانها علي بن حمدون هذا وولاه عليها عند كمالها فاستقرّ بها..." ويضيف الورّاق ما يؤكّد عمق الحظوة التي كان يتمتع بها عند عبيد الله المهدي فقد كان "ابنه جعفر يومئذ مقيم بداره بالمهدية مع أمه ميمونة بنت علاهم الجيلي قبيل من كتامة..."6.
يمكن القول استنادا إلى هذه المعطيات أنّ الخبر الوارد في وصف "جلولا" والجزئية المتعلقة بابن الأندلسي مصدرها يوسف الورّاق على الأغلب، فتفاصيل حادثة العثور على التاج ومعرفة مكانها واستحواذ ابن الأندلسي عليها تؤكّد أنّ الخبر لا يمكن أن يصدر إلاّ ممّن عايش الأحداث أو كان قريبا منها وحافظا لها وهي أحد صفات الورّاق التي وصفه بها ابن حيان بقوله "الحافظ لأخبار المغرب".
وتؤكّد مثل هذه المعطيات بالتالي أن الوصف الذي نجده حول مدينة جلولا وحول منتزه سردانية يعود على الأرجح إلى 4 هـ / 10 م وبأنّ الأمر يتعلّق بأحد المنتزهات المُؤرّخة بالعهد الفاطمي. ويبدو جليا من خلال وصف البكري أن "منتزه سردانية" كان ينتمي إلى مجال زراعي خصب ووافر المياه كان يمتد حول مدينة "جلولا" التي تمثّل "موضع" ممتدّ الأطراف ويظم آلاف الأشجار ولا نستبعد أن تكون سردانية جزء من "الجنات" التي كانت تحيط "بجلولا" وهي أحد أهم المدن في شبكة التحصينات المجالية شمال مدينة القيروان.
وتعود أول إشارة صريحة لتنزّه الحكّام الفاطميين إلى الخليفة المنصور في حادثة مؤرّخة بشهر رمضان سنة 341 هـ/ فيفري 953 م كانت سببا في وفاته، فقد أورد ابن الأثير "...وكان سبب وفاته أنّه ... لما كان رمضان خرج متنزّها أيضا إلى مدينة جلولاء، وهو موضع كثير الثمار وفيه من الأترجّ ما لا يرى مثله في عظمه ... ورحل إليها في خاصته وأقام بها أياما ثم عاد إلى المنصورية فأصابه ريح شديدة وبرد ومطر ودام عليه فصبر وتجلّد وكثر الثلج فمات جماعة من الذين معه واعتلّ المنصور علّة شديدة..."7. ونستشفّ من هذا النص أن الخليفة المنصور كان يقضّي أياما في التنزّه بجلولاء وبجناتها خلال فصل الشتاء وبأنّ أشجار الأترجّ كانت أهم أشجاره وأكثرها عظمة وانتشارا.
ويبدو أن المجال الممتدّ بين جلولاء ومنتزه سردانية كان يشترك في هيمنة الأشجار المنتمية إلى عائلة القوارص بمختلف أصنافها فنجد المصادر تذكر أشجار النارنج بسردانية والأترجّ بجلولاء. وقد يؤكّد هذا المعطى وحدة المجال الزراعي بين الموضعين أو لعلّه موضع واحد يختلف باختلاف مقرّ الإقامة، فإشارة المصادر إلى إقامة المنصور بجلولة بعبارة "وأقام بها أياما" تفتح الباب إلى إمكانية وجود قصر للخليفة بجلولاء8.
وقد كانت للخليفة المنصور مساهمة فعّالة في إعادة بناء مدينة جلولاء على إثر تعرّضها إلى التخريب من قبل مخلد بن كيداد صاحب الحمار وجيشه حيث "دفع إلى أهلها عشرة آلاف درهم وأمرهم ببنائها"ّ9 وكانت أولى المدن التي شرع في استصلاحها، ممّا قد يدعم فكرة وجود قصر بها أو بالجنات التي حولها. ويؤكّد حجم الاعتمادات التي رصدها المنصور لاستصلاحها أهمية المدينة على المستوى الاستراتيجي لوجودها في أحد أهم المسالك المفضية إلى وسط إفريقية وأهميتها في التحصينات المجالية التي اتبعها الفاطميون وأيضا لأهميتها الاقتصادية ولحجم محاصيلها ومنتوجاتها التي كانت تمير القيروان ومدن إفريقية.
وقد مثّلت "سردانية" أيضا وجهة للمعز لدين الله الفاطمي الذي أقام بها قبل سفره إلى القاهرة لمدة أربعة أشهر من شوال سنة 361 هـ / أوت 972 م إلى شهر صفر سنة 362 هـ / نوفمبر 972 م، حيث "سار المعز لدين الله العلويّ من إفريقية يريد الديار المصرية وكان أول مسيره أواخر شوال من سنة إحدى وستين وثلاثمائة وكان أول رحيله من المنصورية فأقام بسردانية وهي قرية قريبة من القيروان ... وسار عنها واستعمل على بلاد إفريقية يوسف بلكّين بن زيري لن مناد الصنهاجي..."10. ولئن اعتبر ابن الأثير في روايته للأحداث "سردانية" قرية فإنّ ابن خلكان يسمّيها "منزلة" حيث أورد في ترجمته للمعز لدين الله الفاطمي عند اعتزامه السفر نحو مصر "انتقل إلى سردانية وأقام بها ليجتمع رجاله وأتباعه ومن يستصحبه معه، وفي هذه المنزلة عقد العهد لبلكين..."11.
وقد ذُكرت "سردانية" لدى النويري أيضا عند حديثه عن المعز لدين الله الفاطمي لكن من دون تحديد إن كانت موضعا أم قرية أم غيرها، حيث أفادنا "فتوجه المعز إلى الديار المصرية، وكان رحيله من المنصورية ووصوله إلى سردانية فى يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة. وسلم إفريقية وبلاد المغرب كلها ليوسف بن زيرى بن مناد فى يوم الأربعاء لسبع بقين من ذى الحجة من السنة. وأمر سائر الناس بالسمع والطاعة له. ثم رحل المعز لدين الله من سردانية لخمس خلون من صفر سنة اثنتين وستين وثلاثمائة"12.
واكتفى النويري في ترجمة بلكّين بن زيري أيضا بذكر كلمة "سردانية" من دون تحديد قائلا، "...ورحل معه يوسف إلى سردانية، فسلم إليه (أي المعز) إفريقية وأعمالها وسائر أعمال المغرب، وذلك فى يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وأمر سائر الناس بالسمع والطاعة له"13.
ونجد في نصّ متأخّر لابن أبي دينار حول نفس الحدث ذكر لسردانية مع وجود تفاصيل أكثر حول معالمها ارتبط بعضها بالأحداث الأولى لفتح "جلولا" في "خبر قدوم معاوية بن حديج إلى إفريقية"، فقد أفاد "وبين جلولا والقيروان أربعة وعشرون ميلا، وبقرب جلولا منتزه لبني عبيد يعرف بسردانية ليس بإفريقية أجمل منه..."14. ويضيف في موضع آخر من المؤنس بأنه "في شوال سنة إحدى وستين عزم (المعز) على المسير إلى مصر من المنصورية وأقام بسردانية أربعة أشهر وسردانية قريبة من القيروان وكانت قصورهم وبساتينهم بها"15.
وينفرد صاحب كتاب المؤنس بتفاصيل خبر آخر حول قيام المنصور بن بلكين بالتنزّه في سردانية " وفي ذي القعدة (سنة 381 هـ/ جانفي 992 م) خرج متنزّها إلى سردانية وخرج إليه الشيوخ من أهل القيروان وسألوه أن يعيّد عندهم فأجابهم إلى ذلك..."16.
وقد تواصل ذكر "سردانية" مع الأمراء الزيريين، فعلى إثر وفاة المنصور بن بلكّين تولّي باديس الحكم من بعده "فلمّا استقرّ في الأمر سار إلى سردانية وأتاه الناس من كلّ ناحية للتعزية والتهنئة"17. ويضيف النويري "فلما صار الأمر إليه (أي باديس) رحل إلى سردانية يوم الأربعاء عشرة بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وثلاثمائة (أفريل 996 م) ونزل في قصرها وأتاه الناس من كل ناحية بإفريقية للتهنئة والتعزية وأقام بسردانية أياما ثم رجع إلى قصره" 18.
ويقدّم ابن أبي دينار تقريبا نفس الرواية قائلا "ورحل إلى قصره بسردانية في رجاله وعبيده وأتته الوفود بالتعزية في أبيه وتهنئته بالملك"19.
ولا نجد بعد الأمير باديس أي إشارة حول تنقّل الأمراء الزيريين أو أعوانهم إلى سردانية فيما هو متوفّر من مصادر، وبقي هذا المتنزه عامرا على الأرجح إلى نهاية القرن 4 هـ / 10 م وكان باديس بن منصور بن بلكّين آخر من خرج متنزّها إليه حسب المصادر أين تلقّى التعزية بوفاة والده والتهنئة باعتلائه الحكم.
وسيعود ذكر سردانية خلال القرن 6هـ/ 12 م بشكل عرضي خلال أحداث حملة قراقوش على إفريقية كانت خلالها خالية على ما يبدو، فقد ورد عند ابن شاهنشاه "... فجاءت عوف مع ابن شكل وجاءت إلى موضع يقال له سردانية قريب من القيروان وسمع بهم شرف الدين فركب إليهم ونزل إليهم"20.
ونجد في أحد الوثائق المعاصرة المؤرخة بسنة 1926 ذكر "هنشير سردانية الكاين بمشيخة الشقافية بخلافة السبيخة من العمل (القيروان) "، وتضيف الوثيقة أن من "أوقاف الزاوية الوحيشية ثلاثة أثمان من هنشير سردانية"21.
تتفق مجمل هذه الإشارات المصدرية على طريقة كتابة اسم "سردانية" فقد وردت بنفس الشكل في مصادر الفترة الوسيطة وحتى الحديثة منها وذلك إلى حدود القرن 17 م على الأقل عند ابن أبي دينار وإلى القرن 20 م في وثائق الأرشيف، وهو ما يُؤكّد أصالة وعراقة اسم "سردانية" وتواصل استعماله ونطقه بنفس الطريقة. وقد يدعم هذا الرأي ما لاحظناه من تعامل بعض المصادر المتأخرة التي نقلت أخبارا عن مصادر وسيطة على غرار ابن أبي دينار والذي كان لا يتوانى في تفسير وتحديد بعض المواضع إن كان اسمها قد تغيّر بين الفترة الوسيطة والحديثة. فنجده على سبيل المثال ينقل عن أحد المصادر الوسيطة خبرا حول تنقّل المعز لدين الله إلى المنصورة قائلا "ثم رجع إلى المنصورية" ليستدرك بعدها مُفسّرا "قلت: وهي المعبّر عنها بصبرة في زماننا هذا"22 وهو معطى مهمّ قد يُرجّح تواصل اسم سردانية الوسيط بنفس النّطق زمن ابن أبي دينار ولو كان الأمر خلاف ذلك لقدّم لنا تفسيرا وتعريفا مثلما فعل مع اسم موقع صبرة.
وحيث أن الوثيقة الأرشيفية المتأخرة تتحدّث عن سردانية لا عن سرديانة فإنّ الاحتمال أن تكون كلمة "سردانية" هي العبارة الرسمية في الوثائق في حين تكون "سرديانة" هي النطق المحلّي للكلمة23.
كما تشترك كل المصادر التي أوردت أخبارا عن سردانية في تحديد موضعها الجغرافي قرب القيروان وأحيانا قرب "جلولاء" و"بالشقافية" في وثائق الأرشيف وهو ما من شأنه أن يساعد أيضا في ضبط المجال الجغرافي المُمتدّة به سردانية. كما تتفق جلّ المصادر على ارتباط سردانية بالأساس بالحكّام الفاطميين وبالأمراء الزيريين من بعدهم خلال القرن 4 هـ / 10م وهو ما يمكن أن يمثّل مؤّشرا للفترة الزمنية التي كانت فيها سردانيا منتزها وهو أمر يمكن أن يتجسّد ميدانيا في اللقى الخزفية المؤرخة بهذه الفترة.
وفي المقابل فإنّ الاختلاف الذي نلمسه من مجمل المصادر التي أوردت سردانية كان في تحديد طبيعتها، حيث يقع توصيفها "بالموضع" في أقدم إشارة عند البكري و"بالمنتزه" أحيانا و"بالقرية" في أحيان أخرى أو "بالمنزلة"، كما اعتبرت في بعض الإشارات منطقة تمتدّ بها القصور والبساتين أو قد تقتصر في مصادر أخرى على ذكر قصر الأمير فحسب أين يستقبل أهله وأتباعه قبل السفر أو للتعزية وللتهنئة. وتمثّل مُجمل هذه المعطيات مؤشّرات مصدرية يمكنها أن تساعد في تحديد موضع سردانية ميدانيا كما يمكنها المساعدة في تحديد طبيعة معالما.
قدّمت لنا المصادر سردانية كمنتزه ينتمي إلى مجال ذو أولوية لدى الفاطميين، فهو مجال مُحصّن لوجوده قرب جلولاء التي تمثّل أهم المدن شمال القيروان وأحد المحطّات الأساسية في المسالك والطرقات شمالها. وقد تواصلت أهميتها لا كمنتزه فحسب ولكن كموضع لتجميع الحشود والجنود والمعدات ورفاة الخلفاء الفاطميين وأبنائهم في أهم حدث وأكبر حشد موكب للسلاطين وللأمراء شهدته إفريقية وذلك على اثر قرار المعز لدين الله الفاطمي السفر إلى القاهرة، فأقام بحشوده وأهله وجنوده لمدة أربعة أشهر من شوال سنة 361 هـ / أوت 972 م إلى شهر صفر سنة 362 هـ / نوفمبر 972 م. وبرزت سردانية بقصورها في المصادر أيضا كمنتزه وكملجأ مُحصّن للأمراء الزيرين عند تصاعد صراعات الوراثة على العرش فكان موضعها حافظا لولاة العرش الزيرين وموضعا ضامنا لتوليهم السلطة. ولن تتواصل أهمية سردانية وكامل المجال الذي تنتمي إليه، حيث أشير إليها كموضع خال خلال القرن 6 هـ/ 12 م، أضحى مسرحا للمعارك والمواجهات العسكرية، وسيتواصل هذا الوضع حسب المصادر إلى الفترة الحديثة أين تحوّلت إلى مجال للاستغلال الزراعي.
2. الشواهد الأثرية "بسرديانة" وريثة سردانية
مكّنت المواقعية من تحديد موضع سردانية بجهة القيروان، على بعد 17 كلم شمال شرقي قرية عين جلولة الحالية (جلولاء سابقا) وذلك بعد التعرف على وجود منطقة تحمل اسم "سردانية" ووادي يحمل اسم "وادي سرديانة"24 وبينت بالتالي دقّة تحديد النصوص المصدرية للموضع وقربه من "جلولاء".
وقدّم كل من الأستاذ ناجي جلول والأستاذ فوزي محفوظ فرضيتين حول أصل تسمية "سردانية"، تكون الفرضية الأولى في علاقة بأهم الحملات التي شنّها المسلمون على جزيرة سردانية والتي تمّت في عهد القائم بأمر الله سنة 323 هـ/ 934 م وقد أسفرت هذه الحملة عن أسر عدد هام من أهالي الجزيرة ربّما تم جلبهم إلى القيروان وإقرارهم في سهل السبيخة وأصبحت المنطقة تعرف باسمهم بعد أن منحوا الحرية وأصبحوا من شيعته على إثر اسلامهم. أما الفرضية الثانية فهي محافظة موقع سردانية على اسمه القديم خاصة وأن بجهة برقو لا تزال تسميات مواقع أثرية قديمة جذرها مُشابة لاسم "سردانية" على غرار موقع Saradi أو كذلك 25Civitas saraditana .
ويمكن أن نظيف أنّ فكرة الرّبط بين منتزه سردانية الوارد ذكره عند البكري وبين جلب سكّان من جزيرة سردانية26 أعطوا اسمهم للموقع بعد توطينهم به تعود أصولها إلى كتابات القرن 19 م، فقد تمّ الاعتقاد في البداية استنادا إلى قراءة خاطئة للنص المنقول عن البكري حول سرديانة بأن الأمر يتعلّق بجزيرة سرديانة شمال المتوسط وبأن المعز لدين الله الفاطمي انتقل إلى جزيرة سرديانة أين بقي سنة كاملة هناك قبل ذهابه إلى مصر. وقد قام "هانري فورنال" بتصحيح الأمر مُؤكّدا بأن سردانية المذكورة في المصادر لها علاقة بسكان جزيرة سردانية " جلبهم العرب إلى سواحل إفريقيا من بلدهم" خلال حملاتهم27. وقد كان سولينياك أوّل من وثّق وحدّد موضع سرديانة على الخريطة التي خصّصها لمواضع المنشآت المائية العربية في المزاق غير بعيدة عن جلولاء28، وبيّن الهادي روجي إدريس في ما بعد بأن منتزه سردانية المذكور في المصادر لا يزال يحافظ على موقعه الذي يحمل اسم "هنشير سردانية" فكانت إشارته تأكيد لموضع سرديانة قرب جلولاء ومواصلة للفكرة التي تعتبر الاسم في علاقة "بجالية أجنبية قدمت من جزيرة سردانية إلى تلك المنطقة" مُرجّحا استقرارهم قبل قيام الدولة الفاطمية29.
ونشير هنا إلى أن بعض الدراسات أّكّدت من خلال عديد الأمثلة أن اللاحقة (أو الخاتمة) "يانة" المُتواترة في أسماء المواقع ترتبط عادة بالملكيات العقارية الموروثة عن الفترة القديمة سواء كانت ملكيات للإمبراطور30 أو للدولة أو ملكيات خاصة31. وتذهب دراسات أخرى إلى اعتبار هذه اللاحقة خاصة في مثال "سردانية" نموذجا لتسميات منتشرة بكامل إفريقية خاصة في العهد البيزنطي والبعض منها كان أسقفيات ومتقارب مجاليا على غرار Saradi أو كذلك 32Civitas saraditana بجهة برقو والسرج.
وتمثّل سردانية على ما يبدو نموذجا لهذه الضيعات والملكيات العقارية التي كانت سائدة في الفترة القديمة، وقد يدعم ذلك الحضور الكثيف للمواقع الأثرية القديمة بهذه المنطقة ممّا يؤكّد عراقة التوطين وقِدم اسم "سردانية". وقد يكون بروز اسم "سردانية" ذو الأصول القديمة خلال الفترة الفاطمية في علاقة بما سمّته بعض الدراسات المختصة "بالممارسات الطوبونومية الفاطمية" فقد عرفت هذه الفترة تشجيعا للعودة إلى التسميات القديمة للمدن والقرى القديمة33، وقد يكون اسم سرديانة المُستعمل حاليا لدى الأهالي هو تحوّل في النطق للكلمة القديمة أو هو نطق محلي لكلمة سردانية المذكورة في المصادر.
وقد مثّلت صيغة نطق الموقع حاليا بعبارة "سرديانة" لا "سردانية" أحد المؤشّرات التي جعلت الأستاذ ناجي جلول يستبعد فرضية علاقة الاسم بقدوم جالية من جزيرة سردانية، كما أنّه أشار إلى أن أهل الجزر من عاداتهم الاستقرار بالسواحل على غرار السكان الذي قدموا إلى إفريقية بعد سقوط صقلية نهاية القرن 5 هـ/ 11 م34 وهي كلّها مؤشّرات تدفعنا أكثر إلى ترجيح تواصل اسم قديم لموقع سردانية.
وتمثّل سرديانة حاليا اسم لعمادة من عمادات معتمدية السبيخة من ولاية القيروان، ويحدها شمالا عمادة عين بومرة وجنوبا عمادات الدخيلة والشرفة والشقّافية ومن الشرق عمادة السبيخة المركز ومن الغرب عمادة سيدي مسعود. وتبدو عمادة سرديانة على المستوى الجغرافي منطقة ممتدّة الأطراف وكانت في التقسيمات الإدارية السابقة تمثّل بالاشتراك مع الشقّافية عمادة واحدة (هي عمادة الشقّافية) خلال النصف الأول من القرن العشرين مثلما تؤكّد ذلك وثائق الأرشيف. ويمكن ميدانيا فهم هذا الدمج بين سرديانة والشقّافية بامتداد المنطقتين حيث لا نكاد نتبيّن الحدود الطبيعية بينهما مثلما لا نكاد نتبيّن الفصل جغرافيا بينهما وبين عين جلولة. وتنتمي هذه المنطق إلى ما يُعرف في الدراسات الجغرافية بسهول عين بو مرّة (تشمل أيضا عين جلولة وسرديانة) - وسهول صوّاف التي تنتمي للقسم الشرقي من الحوض المائي لوادي نبهانة، في حين يشمل القسم الغربي لهذا الحوض سهل الوسلاتية حاليا35. ويفصل بين قسمي الحوض المائي لنبهانة سلسلة من الجبال الداخلية تمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي على مسافة حوالي 50 كلم وعرضها يصل إلى حوالي 10 كلم تضم من الجنوب إلى الشمال جبل وسلات وجبل الريحان وجبل بو دبوس وجبل الوشتاتية وجبل بو حجر36.
وتمثّل منطقة "قليب السّبط" الملاصقة لوادي المعافرين من الشرق الحدّ الشمالي لسرديانة وهي منطقة تفصل بين سهل سرديانة وبين سهول عين بومرة، في المقابل فإنّ الحد الطبيعي بينها وبين الشقّافية من الجهة الجنوبية يبقى غير دقيق باعتبار أن وادي سرديانة يخترق كامل منطقة سرديانة وجزء من منطقة الشقافية حيث يكون اتجاه سيلانه من شمال غربي نحو الجنوب الشرقي وعلى امتداد أكثر من 13 كلم، وتبرز أهم أودية الشقافية مثل وادي الصيد كأحد روافد وادي سرديانة.
واعتبارا لهذه المعطيات الجغرافية فإن أعمال المسح الأثري تركّزت حول المواقع الأثرية الممتدة بمنطقة سرديانة ولكن أيضا شملت مواقع من الشقّافية خاصة تلك التي تتوزّع على امتداد وادي سرديانة أو بالقرب منه لأن معطيات المصادر تُحيل على منطقة واسعة بها "قصور" وأصناف من الأشجار والثمار ويبلغ عدد صنف واحد من أشجارها ألف شجرة (خريطة المواقع الأثرية قرب وادي سرديانة والمعافرين).
خريطة 1. المواقع الأثرية قرب وادي سرديانة والمعافرين.
المصدر: إنجاز الكاتب.
وقد تبيّن من خلال الأعمال الميدانية37 ملاحظة الكثافة الكبيرة للمواقع المؤرّخة بالفترة القديمة داخل هذا المجال وهو وضع يذكّرنا بقولة البكري حول "جلولاء" التي تمتد بها عديد "الخرائب والأثار والأبراج" المنسوبة للفترة القديمة. ويمثّل موقع سيدي علي الشايب واحد من أهم هذه المواقع التي تمتد على مساحة حوالي 2 هكتار وهو موقع مستغل حاليا كمقبرة لأهالي المنطقة يوجد غرب وادي سرديانة. ويتوسط الموقع والمقبرة في مستوى أعلى نقطة به قبة ضريح سيدي علي الشايب المبنية فوق أسس حصن بيزنطي.
كما تبرز بهذا الموقع بقايا لعدد هام من الحجارة المهندمة كبيرة الحجم بالإضافة إلى عتبات أحادية النحت لمداخل معالم وبعض الأغربة مع تواجد كثيف للخزف المؤرخ بالفترة القديمة دون سواه، حيث يغيب الخزف الإسلامي فيما أمكن معاينته بالموقع38. وقد اعتبرت تقارير الخريطة الأثرية أن الموقع به منشأة مائية كانت تتخللها قنوات وحنايا يقع تجميع مياهها في حوض أخذت مكانه قبة سيدي علي الشايب39 (الصورة عدد 1).
صورة 1. موقع سيدي علي الشايب.
المصدر: صور الكاتب.
ولا يزال جزء هام من الحنايا التي ذكرتها التقارير والمرسومة في الخريطة الطوبوغرافية لعين جلولة موجودة إلى الآن حيث أمكن معاينة بعض أجزاء قواعدها المشيّدة بالحجارة الصغيرة الحجم مع ملاط جيري شديد البياض والنقاء وذلك في مستوى الحافة الغربية لوادي سرديانة الواقعة شمال شرق موقع سيد علي الشايب (الصورة عدد 2).
صورة 2. بقايا حنايا بوادي سرديانة
المصدر: صور الكاتب.
ويعرف ثاني أهم المواقع القديمة على مستوى الحجم والامتداد بمنطقة سرديانة بتسمية "هنشير النّشماية"، والموقع يحمل اسم نبتة كانت تغطي الموقع على الأرجح، يوجد هذا الهنشير شرقي وادي سرديانة على بعد عشرات الأمتار منه وهو يمتدّ شمال غربي مدرسة سرديانة الحالية على بعد حوالي 200 متر منها. ويحتلّ هنشير النشماية موقع كدية تُشرف على وادي سرديانة وعلى باقي السهول القريبة، وتبلغ مساحته الجملية حوالي هكتارين (الصورة عدد 3). ويبرز بالموقع خزف كثيف مؤرخ بالفترة القديمة، بالإضافة إلى بعض الحجارة المهندمة وكذلك أسس معلم مربع الشكل في أعلى نقطة بالهنشير لا يمكن تبيّن طبيعتها، وتوجد في طرف الجهة الغربية للموقع طبقة من التربة سمكها حوالي 20 صم بها آثار حرق.
صورة 3. هنشير النّشماية
المصدر: صور الكاتب.
وقد أمكن أيضا الوقوف على موقين بهما حضور إسلامي مؤكّد الأول بمنطقة سردانيا والثاني في منطقة الشقافية ولكن بالقرب من وادي سرديانة. يُعرف الموقع الأول بتسمية "القصر" و"بجبّانة القصر" وأيضا "بجباّنة سيدي علي"، وهو موقع يمتد في أقصى الطرف الشمالي لمنطقة سرديانة وملاصق لوادي المعافرين الذي يقسم الموقع الأثري إلى قسمين، قسم شرقي (سنسميه موقع القصر 1) أصبح مستغلّ كمقبرة حديثة لعائلات من عرش السعايدية وبه حضور كثيف للخزف المؤرخ بالفترة القديمة بالإضافة إلى عديد البقايا من الحجارة المهندمة ذات الأحجام المختلفة وحجارة مهندمة كبيرة الحجم لأسس جدان قد تكون لحصن بيزنطي أزيلت حجارته، مع الإشارة إلى أننا لم نعثر بهذا القسم على أي قطعة خزفية إسلامية (الصورة عدد 4).
صورة 4. موقع القصر 1 والقصر 2.
المصدر: صور الكاتب.
أما القسم الثاني من الموقع (سنسميه موقع القصر2)، فهو مستغل حاليا للزراعة وبه تهيئة مائية حديثة لسقي غراسات وأشجار الزيتون، وقد تم العثور بالموقع على خزف إسلامي مطلي مؤرخ بين القرنين 4 و 5 هـ / 10 و11 م، بالإضافة إلى كثافة للخزف المؤرخ بالفترة القديمة، ولا تزال تبرز بالموقع أسس بعض الجدران في مستوى المسلك الفلاحي الموازي لوادي المعافرين أين تمّت أيضا معاينة جزء من فسيفساء ذات لون واحد (أبيض).
وقد كان للتعرية المائية لوادي المعافرين دور في ابراز مستويات أثرية بالطرف الشرقي للموقع، حيث تمت من ناحية معاينة طبقة من الرماد سوداء اللون تمتد بحافة وادي المعافرين على امتداد حوالي 20 م من وسمكها في حدود 70 صم لا نستبعد أنها نتيجة لحرائق هامة (الصورة عدد 5)، وتمت من ناحية أخرى معاينة طبيقتين أثريتين في اتجاه الجنوب. يبلغ سمك الطبقة الأثرية الأولى حوالي 15 صم وبها حجارة وملاط جيري أبيض على عمق حوالي 70 صم من مستوى الأرضة البارز تعلوها طبقة من الأتربة الطينية سمكها حوالي 50 صم تعلوها بدورها طبقة أثرية ثانية سمكها 20 صم تأخذ شكل أرضية معلم مُندثر ولا نستبعد أنها مثّلت قاعدة أرضية فسيفساء التي بقيت منها بعض الأجزاء في مستوى المسلك الفلاحي (الصورة عدد 6).
صورة 5 و 6. بقة الرّماد والطّبقتين الأثريّتين بموقع القصر 2 على حافة وادي المغافرين.
المصدر: صور الكاتب.
ويمثّل موقع القصر 2 موقعا مؤرخا بالفترة الفاطمية - الزيرية على الأقل من خلال الخزف الذي أمكن تجميعه من السطح، (صور) ولا نستبعد أن تكون الطبقة الأثرية العلوية بحافة وادي المعافرين هي الطبقة الأثرية المؤرخة بهذه الفترة وما قبلها هي الطبقة المؤرخة بالفترة القديمة، لكن طبعا هذا يبقى في خانة الفرضيات غير المؤكّدة في انتظار القيام بأسبار أثرية علمية. كما يمكن نشير أن وجود طبقة الرماد على جزء هام من حافة وادي المعافرين وفي مستوى عمق أسفل الطبقة الأثرية العلوية يجعلنا نتساءل إن لم تكن هذه الحرائق في علاقة بما تعرّض له وسط إفريقية من تخريب زمن ثورة صاحب الحمار؟ فهل أنّ الأمر يتعلّق بموقع تعرّض للحرق ثمّ أعيد بناءه على غرار جلولاء التي خرّبها صاحب الحمار وأنفق عليها المنصور لإعادة بنائها؟
طبعا يصعب الإجابة عن مجمل هذه الأسئلة لكن يمكن أن نذكر بأن حفرية إنقاذ تمّ إنجازها "بعين بومرّة في موقع وقع تسميته "الورازلة 2" من قبل المعهد الوطني للتراث وذلك في إطار تهيئة الطريق السريعة تونس - جلمة، وهو موقع يبعد بعض الكلومترات شرقي موقع القصر تمّ العثور به على آثار حرق كبيرة، كما أكّدت المعطيات الأولية أن الموقع تواصل السكن به إلى منتصف القرن 4 هـ/ 10 فحسب وقد يكون ذلك في علاقة بأعمال التخريب التي طالته40. ونكتفي بالإشارة إلى أن المصادر الفاطمية تحدّثت عن حجم الخراب الذي تسبّب به صاحب الحمار وجيشه حيث يذكر الداعي إدريس مثلا توصيات صاحب الحمار لقادة جنده لما كانوا متوجّهين لدقة ومنها لوسط إفريقية "ثم أمر أبو يزيد ... أن يقتل من وافاه على الطريق ويسبي ويحرق كل منزل يمرّ به..."41.
وقد أمكن العثور بالمسلك الريفي المؤدي لهذا الموقع في نقطة تتوسط تقريبا وادي سرديانة ووادي المعافرين، على قطعة نقدية برنزية (الصورة عدد 7) تحتوي على المأثورة التالية:
الوجه: الله لا
اله الا
الله
الظهر: محمد ر
سول الله
وعبده
صورة 7. قطعة نقدية من سرديانة (قرب مواقع القصر).
المصدر: صور الكاتب.
وتؤرّخ هذه القطعة النقدية البرنزية على ما يبدو بالقرن الأول للهجرة / السابع للميلاد، فهي تكاد تتطابق مع قطع أخرى مشابهة لها تمّ تأريخها من المختصين بأواخر القرن الأول للهجرة وبفترة ما بعد الإصلاح النقدي التي اتبعها تدريجيا موسى بن نصير منذ تولّيه إفريقية سنة 79 هـ / 698 م42، بل إن بعض الدراسات حدّدت تاريخ ضرب شبيهاتها بسنة 43.
هذا ويمكن أن نظيف أن وجود هذه القطعة البرنزية لا يبدو غريبا في جهة سرديانة في القرن الأول للهجرة، فهي منطقة تتوسّط مجالا سيطر عليه العرب المسلمون بشكل مبكّر، فبعد الانتصار الساحق الذي حققه ابن أبي سرح قرب سبيطلة سنة 27 هـ/ 647 م استولى العرب المسلمون في سنة 45 هـ / على جلولاء وبعد المساهمة الحاسمة لعقبة بن نافع في فتح البلاد منذ قدومه، ستخضع إفريقية بصفة نهائية إلى سلطة العرب بعد تولي موسى بن نصير ولاية إفريقية44.
ويحمل الموقع الثاني الذي أمكن به رصد الخزف الإسلامي تسمية "القصر الأحمر" والتسمية في علاقة بالمعلم الوحيد القائم وهو حصن مربع الشكل يتوسط موقعا ممتدا مساحته أكثر من 6 هكتارات على الأقل، تبرز به بقايا أرحية معاصر زيت وأسس جدران وأحواض مائية وأجزاء من عناصر زخرفية وأعمدة رخامية بالإضافة إلى أجزاء من فسيفساء، بالإضافة إلى الخزف المؤرخ بالفترة الفاطمية الزيرية. ويمثل القصر الأحمر معلما مشيّدا بالحجارة المهندمة كبيرة الحجم ذات اللون المائل إلى الحمرة وقد تعرّض إلى أعمال نهب وجهر عشوائي بيّنت وجود طابقين به على الأقل، وقد أشار الأستاذ ناجي جلول إلى عثوره بالموقع على نقيشة جنائزية قديمة واعتبر أن الحصن البيزنطي وقع تحويله إلى إقامة أميرية زمن الفاطميين45.
ويبدو الموقع أكثر اتساعا ومترامي الأطراف في اتجاهاته الأربعة فهو يحتل سهلا منبسطا يحد طرفه الشمالي السلسلة الجبلية الداخلية التي تكون على مرأى العين ومن الجنوب يبرز وادي سرديانة الذي يفصل بينها وبين مرتفع جبالي صغير بمثابة التلال المتتالية تعرف بجبل الدخيلة، في حين تكون منفتحة من الغرب في اتجاه عين جلولاء ومن الشرق في اتجاه سرديانة. ويبدو هذا الموقع منفتحا ومتوسّطا لعدة مسالك في كل الاتجاهات تقريبا مما يؤكّد موقعه الاستراتيجي (الصورة عدد 8).
صورة 8. موقع القصر الأحمر.
المصدر: صور الكاتب.
يمكن القول إن المعطيات الأثرية تؤكّد وجود موقعين فاطميين يعرف الواحد منهما بتسمية القصر، يوجد الأول في طرف سرديانة قرب وادي المعافرين ويمتدّ الثاني في منطقة الشقافية في الطريق نحو عين جلولة ويعرف باسم القصر الأحمر، وحيث أن المصادر تتحدّث أحيانا عن تنزّه الفاطميين في "جلولاء" وأحيانا أخرى في سردانية وتذكر أحيانا قصرا وأحيانا أخرى قصورا فإننا نعتقد أن الموقعين الأثرين المذكورين كان بهما قصور اثنين منهما على الأقل كانا في هذين الموقعين (الصورة عدد 9).
صورة 9. أهم المواقع الأثرية على امتداد وادي سرديانة.
المصدر: صور الكاتب.
ويبدو مصطلح القصر بشكل عام هو المصطلح الأقرب إلى توصيف الإقامات الأميرية الفاطمية التي تبدو على شاكلة إقامات محصّنة ومترابطة على غرار القصور الأموية في سوريا46، وتدعم نتائج الأعمال الميدانية بجهة السبيخة – عين جلولة هذه الفكرة حيث تمتد معالم محصّنة بالجهة بشكل متتالي جلّها تعود إلى الفترة القديمة وأغلبها حصون بيزنطية تمّت إعادة استغلالها خلال الفترة الوسيطة وخاصة خلال الفترة الفاطمية الزيرية كإقامات محصّنة للتنزّه وهو ما يجعلنا نتحدّث عن تحصينات سهليّة أضحت مقرّات لإقامات أميرية مخصّصة للتنزّه.
وإننا نرجّح أمام حجم موقع القصر الأحمر وخصوصيته المجالية المذكورة أعلاه أن يكون هو الذي أقام به المعز لدين الله الفاطمي لمدة أربعة أشهر قبل سفره وتنقله إلى مصر، ويبقى المجال قادرا على تقديم مواقع أخرى يمكن أن تؤرخ بالفترة الفاطمية الزيرية ويحتاج الأمر لاستكمال المسح ومقارعة المصادر المكتوبة لتحديد خارطة منتزهات الفاطمين بهذا الجزء من إفريقية. وإن كانت المنتزهات الفاطمية قد تركّزت في الجزء الشمالي من القيروان وسهولها فهل لدينا معطيات عن تنزه الولاة والأمراء الأغالبة ومواضع منتزهاتهم؟
3. المنتزهات بإفريقية: الظاهرة وتطوّرها المجالي
لم تكن ظاهرة التنزّه على ما يبدو مُـتاحة بإفريقية خلال القرن الأول للهجرة نظرا لعدم استكمال المسلمين فتح إفريقية ونظرا لتربّص المخاطر بهم عندما كانوا في القيروان "حيث لا يقدر المسلمون أن يبرزوا في العيدين لقرب العدو منهم" فقد كانت "جبالها كلها محاربة لا ترام وعامة السهل"47. وحتى بعد استكمال الفتح النهائي لإفريقية سنة 79 هـ / 698 م والقضاء على باقي جيوب المقاومة مع موسى بن نصير فإنّ الأولوية كانت استكمال الفتح والتوجه نحو المغرب الأقصى48.
ولم يختلف الوضع خلال القرن الثاني للهجرة بإفريقية على الأرجح، فقد تواصلت الإضرابات وكانت البلاد مسرحا لأحداث وحروب وصراعات، وقد استحوذت هذه الإضرابات على جلّ الأخبار التي قدّمتها المصادر بشكل كامل تقريبا. لكن في المقابل تفيدنا نفس هذه المصادر بمعطيات عرضية في نصوصها تتعلق أحيانا بمواضع كانت مخصّصة للتنزّه في منتصف القرن 2 هـ/ 8 م رغم الاضطرابات على غرار ما ذكره البكري على لسان يوسف الوراق حول رقّادة التي قال عنها بأن موضعها كان "منية" ومثّل ساحة لمعركة بين الإباضية وورفجومة49 منتصف القرن 2 هـ/ 8 م تقريبا.
وتذكر المصادر أن فترة حكم الوالي يزيد بن حاتم بإفريقية (155 -170 هـ/ 772 – 787 م) مثّلت فترة استقرار وتشييد، حيث "قدم إفريقية فأزال الفساد منها وأصلحها ورتب القيروان في أسواقها وجعل كل صناعة في مكانها وجدد بناء المسجد الجامع...50" . وقد كانت للوالي يزيد بن حاتم ضيعة بفحص القيروان بها مزارع فول مثّلت مكان تنزّه له ولأصحابه، حيث يفيدنا الرقيق القيرواني بأن الوالي أرسل عبيده إلى هذه الضيعة "وأمر قهرمانه وطباخه أن يخرجا إلى ذلك الموضع. وأمر فراشيه أن يضربوا فيه، فضربوا فيه مضارب كثيرة وخرج مع أصحابه وتنزّه فيه وأطعم..."51. وقد اعتبر ابن عذاري هذا الموضع إحدى "رياضات" الوالي52 ممّا قد يُؤشّر على وجود رياضات أخرى.
وكان الوالي يزيد بن حاتم يخرج أيضا للتنزّه في موضع آخر على ملكه تُسمّيه المصادر "منية الخيل"، وهو على ما يبدو متنزه قام الوالي بإنشائه وتهيئته بالمرافق اللازمة، قال الرقيق "...خرج من القيروان يوما متنزّها إلى منية الخيل وهو الذي حفر البئر العذبة وبناها وجعل خيله هناك في اصطبلات أمر ببنائها في هذه المنية فبذلك سميت منية الخيل"53.
ويبدو من خلال هذه النماذج أن مجال التنزّه لدى الولاة كان يمتد في مستوى السهول والأراضي الزراعية حول القيروان بكلّ من "فحص القيروان" الذي أكّدت دراسة أحمد الباهي تطابقه حاليا مع سهل الجواودة غرب القيروان54، وأيضا في السهل الذي تسمّيه المصادر الإباضية "بفحص رقادة"55، وفي كلا الفحصين كانت تتماها الضيعات الفلاحية مع المنتزهات التي كانت تسمّى الواحدة منها "بالمنية" أحيانا و"بالرياض" أحيان أخرى.
ولم يختلف مجال المنتزهات وتوزّعها الجغرافي كثيرا خلال الفترة الأغلبية، فقد كانت رقادة "دارا ومسكنا وموضع فرجة للملوك"56 على حدّ عبارة البكري "وموضع فرجة ومنتزها للملوك" على حدّ عبارة صاحب الاستبصار57. وقد كان لبعض الأمراء الأغالبة ميل لنشاط ترفيهي محدّد خلال التنزه على غرار الصيد الذي اشتهر به الأمير محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب المشهور بأبي الغرانيق، وهو اسم لُقّب به "لأنه كان يهوى صيدها حتى بنى قصرا يخرج إليه ليصطادها" أنفق عليه أموالا طائلة58.
وستشهد الفترة الفاطمية تحوّلا في توزّع المنتزهات، فسردانية موضوع هذه الدراسة تنتمي مثلما أشرنا سابقا إلى مجال جغرافي آخر ينتمي حسب الدراسات الجغرافية إلى الحوض المائي لوادي نبهانة، حيث ينقسم هذا الحوض المائي إلى قسمين قسم غربي أين يمتدّ سهل الوسلاتية وقسم شرقي أين توجد سهول عين بو مرّة (تشمل أيضا عين جلولة وسرديانة) وسهول صوّاف59. فكيف يمكن فهم أسباب هذه الاختيارات؟
يستوجب فهم الأسباب الداعية إلى اختيار الفاطميين موضع المنتزهات حول سهول "سرديانة وجلولاء" فهم التحوّلات المجالية التي شهدتها الفترة الفاطمية والتوجهات العامة على مستوى التعمير والتشييد في علاقة بالظروف السياسية والأمنية لإفريقية. فقد كانت المبادرة منذ عبيد الله المهدي بتأسيس المهدية كعاصمة جديدة للخلافة الناشئة على ساحل البحر، ولم تذكر المصادر خلال فترة المهدي أي أخبار حول التنزّه أو حول تشييد منتزهات في ما هو متاح من المصادر.
ويبدو أن هذه الإقامة الدائمة بالعاصمة المهدية لم تكن تروق كثيرا للخليفة الفاطمي الثاني القائم بأمر الله والذي أبدى منذ توليه الحكم "رغبة في الانتقال من المهدية... وأراد استنباط مدينة غيرها وأرسل فقيس له مواضع كثيرة كلها أراد البناء فيها"60. ويقدّم القاضي النعمان رواية سمعها من المعز لدين الله الفاطمي تتحدّث عن عدة مواضع أراد القائم البناء فيها، وأحد هذه المواضع التي لم يحدّد اسمه كان يوجد بالقرب من المهدية وكان يتميّز "باستشرافه على البحر والمنازل وصحّة هوائه" وذلك لأن القائم "كره المهدية وأبغض المقام بها"61.
ولا نستبعد أن تمثّل هذه الإشارات أولى المحاولات في البحث عن مجالات للتنزّه خارج الفضاء التقليدي لمتنزّهات الولاة والأمراء الأغالبة، لكنه يشترك معهم في قرب المنتزه (إن صحّت الفرضية طبعا) من "دار الحكم" وعاصمة الخلافة المهدية وهو تقليد سيتواصل بتأسيس العاصمة الجديدة المنصورية.
وقد ارتبط تأسيس المنصورية بالحرب التي خاضها الفاطميون ضد ثورة صاحب الحمار أبي مخلد كيداد في عهد الخليفة المنصور وبموضع جيشه الذي صبر في القتال، وقد كان الانتصار في معركة القيروان حدثا حاسما مثّل بداية تراجع صاحب الحمار وانحسار ثورته. وعلى إثر هذا الانتصار بادر المنصور بإسقاط الجباية على الناس في محرم 335 هـ / أوت 946 وذلك "رفقا بهم وعونا بهم على عمارة أرضهم وبواديهم"62، وقبل سفره لمطاردة صاحب الحمار "أقام في خندقه باقي المحرم وشهر صفر (سنة 335 هـ/ أوت وسبتمبر 946 م) .... وأمر بعمارة مدينة في ذلك المكان وسمّاها المنصورية وأمر بإحكام سورها ورفع بنيانها"63.
وقد كانت جلولاء أولى المدن التي اتجه إليها المنصور مباشرة إثر انتصاره على مخلد بن كيداد، وهي أولى المدن التي دعمها بالمال لإعادة بناء ما خرّبه جيش صاحب الحمار وأبدى بهذا الحضور بالمدينة حرصا ودعما ماليا بدأت معه المدينة تأخذ أهمية أكبر، قال الداعي إدريس "دفع إلى أهلها عشرة آلاف درهم وأمرهم ببنائها"ّ64. ولا نستبعد أن هذه الزيارة والدعم قد مثّلت بداية التوجّه العام لاختيار المنطقة كمتنزّه خاصة وأنّ جلولاء قد مثّلت أولى المواضع التي ذكرتها المصادر كمكان لتنزّه الخليفة المنصور قبل وفاته، كما أنّ إعادة بنائها قد تزامن مع تشييد عاصمة الخلافة الجديدة المنصورية بوسط إفريقية وكأنّه إعلان عن مرحلة جديدة من تاريخ الخلافة بعاصمة جديدة ومنتزهات قريبة.
وقد تواصلت ظاهرة التنزّه بنفس المجال مع المعزّ لدين الله بل عرفت على الأرجح انتشارا أكبر إلى درجة أنّ الخليفة المعز قد قال فيها كلاما طويلا في أحد مجالسه فقد "ذكر الربيع ... وذكر النّزهة فيه وما يخرج به أهل الخلاعة والبطالة إليه...من ألوان الأطعمة وخبائث الأشربة في نزههم إليه وما يعكفون من لهوهم عليه"65، وقد شجّع الخليفة في مجلسه على التنزّه والتمعّن في الربيع وأزهاره اعترافا وتمعّنا في عظمة الله منبّها إلى ضرورة النأي بالنفس عن شرب الخمر واللهو والمجون في التنزّه.
وقد كان المعز على ما يبدو مغرما بالإنجازات المعمارية المخصّصة للتنزّه فقد كانت له رغبة في بناء قصر عبّر عنها قائلا "أردت أن أبني قصرا وأحتفر في وسطه بحرا أجري فيه الماء ويكون في وسط الماء قصر"، كما كان مغرما باصطحاب السباع داخل أقفاص في جولاته وتنزّهه66.
ويمثّل اختيار المعز لمنتزه سردانية والقصر الذي به - كمقرّ لانتظار استكمال الاستعدادات للتنقّل نحو مصر والمكوث بها لمدّة أربعة أشهر تقريبا- يمثّل مؤشّرا لقيمة سردانية لا كمنتزه فحسب ولكن كنقطة آمنة وقادرة على استيعاب سكن أهل المعز لدين الله وعبيده وأتباعه وأيضا على تجميع خيله ومختلف تجهيزاته وآثاثه الذي سينقله معه إلى مصر.
وسيتواصل دور سردانية كمنتزه آمن مع الأمراء الزيريين، حيث تذكر المصادر أن باديس "...لمّا استقرّ في الأمر سار إلى سردانية وأتاه الناس من كلّ ناحية للتعزية والتهنئة، وأراد بنو زيري أعمام أبيه أن يخالفوا عليه فمنعهم أصحاب أبيه وأصحابه"67. ويبدو أن توجّه باديس لسردانية وتلقي التهنئة والتعزية هناك كان خوفا على نفسه من أعمام أبيه الذين أرادوا أخذ الحكم بأيديهم وخوفا من مخالفتهم وتمرّدهم، وقد أورد ابن عذاري بعض تفاصيل هذا التحرّك قائلا "وكان بنو زيري وبنو حمامة قد همّوا بأمور وخالفوا على من كان معهم على ما عقدوه فما تركهم عبيد باديس وعبيد أبيه إلى شيء مما أرادو"68، وبهذا فقط يمكن أن نفهم هذا التنقّل السريع لباديس الذي لم يكن للتنزّه ولكن للحماية ولتأمين نفسه وضمان حكمه، فهل من خصوصية لموضع سردانية حتى تجعل منها منتزها وملجأ ؟
نرجّح استنادا إلى المؤشّرات المصدرية أن السهول الممتدة بين سردانية وبين جلولاء تنتمي إلى مجال الضيعات السلطانية أي الضياع التي كانت تحت تصرّفهم المباشر وهو ما يفسّر الزيارات التي كان يؤدّيها الخلفاء الفاطميون لهذا المجال واختيارهم لتشييد قصورهم بها وأيضا لحجم المساعدات المالية التي وفّروها لإعادة بناء جلولة بعد ثورة صاحب الحمار، وقد كانت هذه الضياع جزء من الأراضي التي سيطر عليها الفاطميون والتي كانت من أملاك الأمراء الأغالبة أو لحاشيتهم69. ولا نستبعد أن مجال هذه الضيعات كان يمتدّ ليشمل "طنبياس" الواقعة على طريق الفحص - القيروان الحالي في مستوى هنشير وادي نبهانة (أوالضربانية)70 وهو ما صرّح به المعز عند لقائه بوكلاء الضياع قرب طنبياس "أليس هذا الوادي وما يجري فيه من الماء وما يسقي من الأراضي لنا؟"71.
كما تبرز سردانية وكامل المجال المحيط بها كمنطقة مفتوحة تمرّ بها مسالك هامة نحو القيروان عبر "جلولاء" التي تمثّل أولى محطات طريق الجبال، وأيضا نحو الساحل مرورا بطنبياس ونحو جزيرة أبي شريك، وهو ما يوفّر سرعة في التحرّك، فقد انطلق منها المعزّ لدين الله في رحلته إلى مصر كما أن صاحب الحمار قدم إلى السهول التي حولها قادما من "هرقلية" عبر طنبياس72.
ويمكن القول بالنظر إلى هذه الخصائص الطبيعية والطوبوغرافية بأن سردانية لم تكن مجرّد منتزه للترفيه ولكن جزء من شبكة التعمير المدروسة التي اتبعها الفاطميون ومن بعدهم الزيريون فتركّزت منتزهاتهم في سهول شمال القيروان وفي أكثر المناطق وفرة للمياه وأكثرها أمنا واستقرارا وهو ما يجعلنا نتحدّث عن "منتزه – حصن" يضمن الترفيه والتنزّه في ظروف أمنية مريحة. ويبدو أن هذا التوجّه بدأ مع الفاطميين وتواصل مع الزيريين ليشهد الوضع تغيّرا كليا مع أزمة القرن 5 هـ / 11 م بسيطرة القبائل البدوية ولتشهد خريطة توزّع المنتزهات تغيّرا كبيرا مع السلاطين الحفصيين وذلك في علاقة بتغيّر عاصمة البلاد إلى مدينة تونس فهُجرت منتزهات وسط إفريقية بهجرة عاصمة إفريقية.
وقد عرفت الفترة الحفصية بروز خريطة جديدة لمنتزهات السلاطين الحفصيين وأعيانهم توزّعت أساسا حول مدينة تونس العاصمة الجديدة للبلاد وبالقرب من مركز الحكم، وبيّن محمد حسن أنّ البساتين الأميرية تصدّرت المشهد الزراعي للأجنّة المحيطة بمدينة تونس وذلك بكل من رأس الطابية وجنة أبي فهر منذ القرن 7 هـ / 13 م وبسانية باردو التي أنشئت بها القصور والمنتزهات خلال القرن 9 هـ/ 15 م. كما برزت بالجهة الغربية لمدينة تونس في روض السناجرة أنموذجا آخر للبساتين الأميرية التي احتوت على قصر معدّ لإقامة السلطان وجيوشه خاصة عند استعداده للخروج في المحلّة73.
وقد بيّنت دراسات بيّة العبيدي أنّ المنتزهات الحفصية بقيت على حالها بعد السيطرة العثمانية وذلك إلى حدود مطلع القرن السابع عشر للميلاد ولم تشهد جغرافية المنتزهات تغيّرا أو زيادة في عددها مع الحكّام الجدد للبلاد على امتداد حوالي نصف قرن من الزمن وذلك في علاقة بالصعوبات التي واجهها الحكام العثمانيون. واستطاع يوسف داي (1610 – 1637 م) تخطّي هذا المجال التقليدي الضيّق، حسب عبارة بية العبيدي، والتوغّل نحو الجهة الغربية لمدينة تونس مُعلنا بذلك تغييرا في توزيع مجالات التنزّه الرسمية في علاقة بالتغييرات التي بدأت تعيشها البلاد74.
وقد برز خلال الفترة الحديثة أيضا بالإضافة إلى قصور البايات وأعوانهم حول مدينة تونس صنف من السكن حول المدن التاريخية على غرار مدينة القيروان، التي عرفت خلال القرن التاسع عشر ظاهرة السكن الحدائقي المعروفة بالأبراج في ظهيرها الزراعي حيث تطوّرت الأبراج بقدوم واستقرار عائلات من مدينة صفاقس وتأسيسهم لعديد الأبراج على غرار برج عبد الكافي بذراع التمّار75.
خاتمة
لقد مكّنتنا العودة إلى المصادر المكتوبة وتتبّع منتزه سردانية من تجميع مادة مصدرية هامة حول هذا المنتزه وحول ظاهرة التنزّه خلال الفترة الفاطمية والزيرية ومن الوقوف على خصوصيات مجالية لهذا المنتزه الذي لم يقتصر على توفير الراحة والتنزه، بل كان أيضا موضعا جامعا للحشود في المناسبات الكبرى والأحداث المفصلية في تاريخ البلاد مثل انتقال الفاطميين إلى مصر وملاذا آمنا للأمراء الزيريين من الطامعين في السلطة بما يحتويه من معالم محصّنة مثّل "القصر" الموروث في الأغلب عن الحصون البيزنطية المعلم المركزي به. وقدّمت الشواهد الأثرية موقعين أثريين فاطميين ينحاز الأول إلى طرف منطقة سرديانة نعتقد أنّه يمكن أن يتوافق مع موضع سردانية الفاطمية أو على الأقل مع أحد قصورها مثلما تدلّ على ذلك تسميته إلى الآن "بالقصر"، وينحاز الموقع الثاني إلى طرف منطقة الشقّافية وهو "القصر الأحمر" الذي لا نستبعد أمام قربه من جلولاء أن يكون أحد القصور المقصودة بالتنزّه بجلولة.
ويبدو مصطلح القصر المصطلح الأقرب لتوصيف الإقامات الأميرية الفاطمية وهو معلم محصّن يتوسّط مجالا أرحب الأكيد أنه كان يضم مرافق إضافية للمنتزه بما في ذلك الحقول والبساتين، وتبدو الإقامات محصّنة ومترابطة فيما بينها من خلال هذه المعالم ومحصّنة بموضعها في مجال محصّن طبيعيا. ويعبّر موقع هذين المعلمين الموسمين بعبارة القصر عن توجّهات واختيارات مجالية في تهيئة وسط إفريقية لا نستبعد أن استكمال المسح الأثري الدقيق بهذا الجزء من البلاد سيكشف عن مواقع لقصور أخرى ولضيعات أميرية جديدة ومواقع أثرية لقرى خلنا لسنوات أنها مفقودة.
الهوامش
1 البكري، 1992، ج 2، ص 685.
2 مؤنس، 1986، ص 73.
3 الباهي، 2011، ص 15.
4 الباهي، 2011، ص 19.
5 مجهول، 1958، ص 119.
6 القرطبي، 1965، ص 32 و34.
7 ابن الأثير، 2012، ج7، ص 198-199؛ أنظر حول هذه الحادثة أيضا: المالكي، 1981-1983، ج 2، ص 487؛ المقريزي، 1996، ج 1، ص 90.
8 اعتبر سليمان مصطفى زبيس المعلم القائم حاليا بعين جلولة هو قصر المنصور الفاطمي، أنظر: زبيس، 1963، ص 13.
9 الداعي إدريس، 1985، ص 385.
10 ابن الأثير، 2012، ج 7، ص 304.
11 ابن خلكان، 1972-1979، ج 5، ص 226 – 227.
12 النويري 2002، ج 24، ص 155.
13 النويري، 2002، ج 24، ص 169.
14 ابن أبي دينار، 2025، ص 121.
15 ابن أبي دينار، 2025، ص 166.
16 ابن أبي دينار، 2025، ص 183.
17 ابن الأثير، 1993، ج 7، ص 485.
18 النويري، 2002، ج 24، ص 185.
19 ابن أبي دينار، 2025، ص 184.
20 بن شاهنشاه، 2012، ص 69؛ عرعار، 2015، ص 94.
21 Les Archives Nationales de Tunisie, Série D, Dossier 82, Carton 4 / 9.
22 المؤنس، 2025، ص 165.
23 لعل هذا ما يفسّر تواجد مصطلح سرديانة في الخرائط الطبوغرافية لا سردانية بحكم أن هذه الخرائط استندت إلى تقارير ميدانية ومثّل الأهالي مصدرهم الأساسي في معرفة أسماء المواضع.
24 كان سولينياك من الأوائل الذين حدّدوا موضع "سردانية" على الخريطة قرب السبيخة، وأفاد من بعده الهادي روجي إدريس بأن "سردانية" المذكورة عند البكري "بقي ذكرها عالقا بالمكان المسمّى هنشير سردانية"، أنظر: إدريس، 1992، ج 2، ص 33؛ محفوظ، 2009؛
Solignac (M), 1953, p. 9 ; Djelloul (N.), 2006, p.127 ; El Bahi (A.), 2008, p. 255.
25 محفوظ، 2009.
26 حول علاقة العرب بسردانيا راجع: المزطوري، 1446 هـ/ 2025 م، ص 193 – 202؛
Langone (A. L.), Mion (G.), 2025.
27 Fournel (H), 1881, T. 2, p. 360, note 3.
28 Solignac (M), 1953, p. 9.
29 إدريس، 1992، ج 2، ص 33.
30 حسن، 1999، ج 1، ص 236.
31 El Bahi, 2008, p. 254.
32 محفوظ، 2009.
33 الباهي، 2021، ج 1، ص 49.
34 Djelloul, 2006, p. 126.
35 Dhahri (F.) et Boukadi (N.),2007, p. 349 ; Nouiri (I.), Romdhane (A.), Brini (R.), Bouslama (A .), El Beji (R.) Ayoub (T.) et Tarhouni (J.), 2015.
36 Dhahri, 2007, p. 350.
37 هناك صعوبة كبيرة في العثور على المواقع الموجودة على الخريطة الطوبوغرافية لعين جلولة نظرا لكثافة الاستغلال الزراعي والتهيئة المائية الحديثة للمستغلات الزراعية مما حال أحيانا بيننا وبين الدخول إلى بعضها والتثبت من المواقع الأثرية. وأتوجه بالشكر إلى الزميل بالمعهد الوطني للتراث سعيد الهمادي الذي ساعدنا في تحديد المواضع وزيارتها كما أشكر السيد مختار بالشرقي الذي رافقنا بسرديانة وكافة أهالي المنطقة ممّن أبدوا تفهّما لعملنا.
38
أشار الأستاذ ناجي جلول إلى وجود آثار فاطمية – زيرية بموقع سيدي علي الشايب غير أنّنا لم نجد ما يؤكّد ذلك خلال معايناتنا للموقع لا على مستوى الخزف ولا على مستوى باقي الشواهد الأثرية وحتى قبّة الضريح المنسوبة لسيدي علي الشايب تبدو معلما حديثا لا حفصيّا ولا يمكن أن تتجاوز في أقصى الحالات القرن 19 م، وحتى المنشأة المائية مستطيلة الشكل ذات الدعامات الخارجية والتي وقع ترجيح تاريخها بالفترة الفاطمية فإنّها تمثّل امتداد لموقع سيدي علي الشايب وقد طالها التخريب حالية وتمّ إزالتها بالكامل ويمتدّ بموقعها خزف قديم فحسب.
39 Atlas archéologique de la Tunisie, 1892, Carte Aïne Djeloula.
40 كنت مشرفا إداريات على هذه الحفرية ومنسقا بصفتي متفقد جهوي للتراث بالوسط الغربي وبصفتي باحث بالمعهد وذلك منذ انطلاقها سنة 2019 إلى حدود أواخر 2021، وقد تمّ التوثيق بشكل علمي دقيق لكل اللّقى الأثرية ولكلّ العناصر المعمارية، وقد تولى فتحي البحري انطلاقا من مطلع 2022 الاشراف على الحفرية.
41 الداعي إدريس، 1985، ص 273؛ قدّم مراد عرعار عرضا مفصّلا حول الأضرار التي نتجت عن ثورة صاحب الحمار وتأثيراتها على الظاهرة العمرانية ببلاد الساحل، أنظر: عرعار، 2005، ص 22 – 32.
42 Walker (J.), 1956, p. 217, n°689 ;
العجابي، 1988، ص 95، اللوحة 11، القطعة ب 99 واللوحة 12، القطعة ب 101
43 Ben Romdhan, 2008, T. 2, p. 637.
44 الباهي، 2004، ص 135.
45 Djelloul, 2006, p. 128.
46 Djelloul, 2006, p. 128.
47 ابن قتيبة، 1997، ص 228.
48 الباهي، 2004، ص 182.
49 البكري، 1992، ص 680.
50 الرقيق، 1980، ص 111؛ النويري، 1923-2002، ج 24، ص 86.
51 الرقيق، 1980، ص 121؛ النويري، 1923-2002، ج 24، ص 87.
52 ابن عذاري، 1985، ج 1، ص 81.
53 الرقيق، 1980، ص 121؛ النويري، 1923-2002، ج 24، ص 87.
54 الباهي، 2013، ص 30.
55 الدرجيني 1974، ج 1، ص 29.
56 البكري، 1992، ص 679.
57 مجهول، 1958، ص 116.
58 ابن عذاري، 1985، ج 1، ص 114.
59 Dhahri, 2007, p. 349.
60 النعمان، 1978، ص 323.
61 النعمان، 1978، ص 324- 325.
62 الداعي إدريس، 1985، ص 379- 380.
63 الداعي إدريس، 1985، ص 386.
64 الداعي إدريس1985، ص 385.
65 النعمان، 1978، ص 329- 330.
66 النعمان، 1978، ص 325 و327.
67 ابن الأثير، 2012، ج 7، ص 485.
68 ابن عذاري، 1985، ج 1، ص 347.
69 الباهي، 2004، ص. 544.
70 Aounallah (S.), Bahri (F.), Ben Moussa (M.), Ben Romdhane (H.) et Louhichi (A.), 2013, p. 85-87.
71 النعمان، 1978، ص 60- 62.
72 الداعي إدريس، 1985، ص 281-282.
73 حسن، 1999، ج 1، ص 186.
74 العبيدي، 2016، ص 102؛ العبيدي، 2019، ص 15.
75 كمون، 2016، ص 1 – 17.
المصادر و المراجع
ابن أبي دينار أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم القيرواني، 2025، المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، حقّقه أ. د. أحمد الباهي، تونس.
ابن الأثير عز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن أبي الكرم الشيباني، 2012، الكامل في التاريخ، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، بيروت.
ابن خلكان شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد، 1972 - 1979، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمـان، تحقيق إحسان عباس، بيروت.
ابن شاهنشاه محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه الأيوبي صاحب حماة، 2012، مضمار الحقائق وسر الخلائق، حقق مراد عرعار الفقرات الخاصة بحملة قراقوش على إفريقية (575-584 هـ/1180-1188 م)، تونس.
ابن عذاري عبد الله بن محمد المراكشي، 1983-1985، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، حقق الأجزاء الثلاثة الاولى ج.س.كولان وأ. ليفي بروسنفال، وحقق الجزء الرابع إحسان عباس، بيروت، الدار العربية للكتاب-دار الثقافة؛ وحقق القسم الخاص بالموحدين م. إ. الكتاني وم. بن تاويت وم. زنيبر وع. رزمامة، الدار البيضاء.
ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري [منسوب إلى]، 1997، الإمامة والسياسة، تحقيق خليل المنصور، بيروت.
إدريس الهادي روجي، 1992، الدولة الصنهاجية، تاريخ إفريقية في عهد بني زيري من القرن 10 إلى القرن 12 م، نقله إلى العربية حمادي الساحلي، بيروت.
الباهي أحمد، 2004، سوسة والساحل في العهد الوسيط: محاولة في الجغرافيا التاريخية، مركز النشر الجامعي، تونس.
الباهي أحمد، 2011، "المسالك والممالك للبكري والبيئة الموحدية"، في الكراسات التونسية، العدد 212- 213، تونس، السداسيتان الأولى والثانية، ص 7 – 43.
الباهي أحمد، 2013، "فج سبيبة: أحد المواضع على طريق القيروان – سبيبة في العصر الوسيط المتقدم"، في سمير القيزاني (نشر)، العمران والعمارة في المتوسط خلال العهدين القديم والوسيط في ضوء المصادر الأثرية والأدبية، فعاليات الملتقى الدولي الثاني، 24- 25- 26 نوفمبر 2011، تونس، المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس، ص 23- 41.
الباهي أحمد، 2021، "من قلعة بُسر إلى قلعة مجانة: مدخل إلى السياسة الطوبونومية الفاطمية"، في محمد الناصر صديقي والعيد غزالة (إشراف)، السكان والمجال والسلطة في العالم الإسلامي، كتاب جماعي تكريما للأستاذ إبراهيم جدلة، تونس، ج 1، ص 29 – 51.
البكري أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز، 1992، المسالك والممالك، تحقيق أدريان فان ليوفن وأندري فيري، تونس.
حسن محمد، 1999، المدينة والبادية بإفريقية في العهد الحفصي، تونس.
الداعي إدريس عماد الدين إدريس بن الحسن بن عبد الله القرشي، 1985، عيون الأخبار وفنون الآثار، حقق محمد اليعلاوي السبعين الخامس والسادس منه ونشرهما تحت عنوان: تاريخ الخلافة الفاطمية بالمغرب، بيروت.
الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد، 1974، طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاي، قسنطينة.
الرقيق أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم القيرواني الكاتب [منسوب إلى]، 1980، تاريخ إفريقية والمغرب، حقق القطعة الباقية منه عبد الله العلي الزيدان وعز الدين عمر موسى، بيروت.
زبيس سليمان مصطفى، 1963، بين الآثار في تونس، منشورات دار الثقافة، تونس.
العبيدي بية، 2016، "برج يوسف داي بالبطان التأثيرات العثمانية في عمارة المنتزهات بأحواز مدينة تونس خلال القرن السابع عشر"، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، عدد 45، جوان، قسنطينة، ص 97 – 120.
العبيدي بية، 2019، باردو السواني والقصور خلال الفترة الحسينية 1705 – 1957، تونس.
العجابي حامد، 1988، جامع المسكوكات العربية بإفريقية، المعهد القومي للآثار والفنون، تونس.
عرعار مراد، 2005، "الظاهرة العمرانية ببلاد الساحل وثورة أبي يزيد"، في المزاق القديم وبلاد الساحل: التمدين والتعمير، بحوث أعدها للنشر محمد حسن، تونس، ص 22 – 32.
عرعار مراد، 2015، "الموقعية بإفريقية خلال القرن السادس هجري/ الثاني عشر ميلادي (حملة شرف الدين قراقوش المظفري نموذجا)"، في جعفر بن نصر والنوري بوخشيم (نشر)، الجبل والسهل في حوض المتوسط، أعمال الندوة العلمية الدولية الرابعة (القيروان 5، 6 و7 ديسمبر 2011)، تونس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، ص 87 - 102.
القرطبي ابن حيان، 1965، المقتبس في أخبار بلد الأندلس، تحقيق عبد الرحمان علي الحجي، بيروت.
كمون منى، 2016، "ظاهرة السكن الحدائقي بظهير القيروان في العصر الحديث: برج عبد الكافي مثالا"، في النوري بوخشيم وجعفر بن نصر (نشر)، التوطّن والمجال والثقافة المادية في الفضاء المتوسّطي (القيروان، 15، 16 و17 أفريل 2014)، تونس، ص 1 – 17.
المالكي أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الله القرشي، 1981 - 1983، رياض النفوس، تحقيق البشير البكوش، بيروت، دار الغرب الإسلامي.
مؤنس حسين، 1986، تاريخ الجغرافيا والجغرافيين في الأندلس، مدريد.
مجهول، 1958، الاستبصار في عجائب الأمصار، تحقيق سعد زغلول عبد الحميد، الإسكندرية.
محفوظ فوزي، 2009، "سردانية"، موسوعة القيروان، الدار العربية للكتاب، تونس.
المزطوري محمد، 1446- 2025، "مراجعة كتاب "العرب وسردينيا" لأنجيلا دايانا لانغونه وجوليانو ميون"، مجلة الجامعة القاسمية للغة العربية وآدابها، المجلد 4، العدد 1، ص 193 – 202.
المقريزي تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر الحسيني، 1996، اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، حقق جمال الدين الشيال الجزء الأول منه وحقق محمد حلمي محمد أحمد الجزآن 2 و3، القاهرة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
النعمان القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور التميمي، 1978، المجالس والمسايرات، تحقيق الحبيب الفقي وإبراهيم شبوح ومحمد اليعلاوي، تونس.
النويري شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الوهاب، 1923-2002، نهاية الأرب في فنون الأدب، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.